د صالح العطوان الحيالي الحيالي

السدود وخزانات المياه في التراث العربيوالاسلامي إبداع تقني وتراث تاريخي رائع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق - 20-5-2018
السد هو إنشاء هندسي يقام فوق واد أو منخفض بهدف حجز المياه ، السدود عمومًا تخدم الغرض الأساسي وهو الاحتفاظ بالمياه، في حين أن الهياكل الأخرى مثل الخنادق تستخدم لمنع تدفق المياه إلى مناطق محددة في الأرض. أطول سد في العالم هو سد نورك بارتفاع 300 متر في طاجيكستان.
تضافرت الجهود للارتقاء بمستوى الموارد المائية، وتوفير ما من شأنه ضمان الحياة على سطح الأرض وذلك من خلال إقامة مشاريع السدود وتحقيق الاستفادة القصوى منها.
أهداف السدود
ـــــــــــــــــ الهدف الرئيسي من السدود هو الحفاظ على المياه من أجل الاستعمال القريب أو البعيد بمعنى الحفاظ عليها من أجل المستقبل مع إمكانية استخدامها في توليد الكهرباء.
شروط بناء السدود
ــــــــــــــــــــــ تكمن خطورة بناء السد إذا لم يبن وفق أسس هندسية وجيولوجيا معينة حيث أنه عند تهدمه يؤدي إلى تدمير هائل
خزان المياه هو عبارة عن موقع يشيد ويخصص لتخزين المياه. وكذلك يُستخدم لتوفير وتخزين مياه الأمطار والانهار لأغراض الشرب والزراعة والري، وإخماد الحرائق وغير ذلك من الاستعمالات المفيدة سواء بالنسبة للنباتات أو الثروة الحيوانية، أو الصناعات الكيميائية، وإعداد الطعام، وكذلك العديد من التطبيقات الأخرى
إن من أهم الأمور المتميزة في عكس مقدار التطور والرقي في مجال المياه وسبل استغلالها هي بناء السدود وخزانات المياه، فهي تحتاج إلى إمكانات فنية كبيرة تتناسب وحجم المشروع المنفذ، وقد تميزت فيها شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنذ قديم الزمان، أي لفترة تعود لأكثر من عشرة آلاف سنة وخصوصًا في منطقة تل الصوان وديالي في وسط بلاد الرافدين، إلا أن هذه السدود والخزانات تباينت في حجمها ومقدار استيعابها للمياه وأهميتها على اختلاف مناطقها، لكن شعب بلاد الرافدين بقي الأكثر تميزًا في هذا المجال على جميع شعوب المعمورة في تلك الحقبة الزمنية.وقد جاء ذكر السدود وخزانات المياه في القرآن الكريم، وتم تحديد اسم أهمها في مأرب (اليمن) وهو سد العرم الذي جاء ذكره في الكتاب العزيز ليعبر عن أحد الإنجازات العظيمة التي أقامها الإنسان على الأرض، وعلى الرغم من ذلك لم يتمكن الإنسان في المحافظة عليه بعد أن نسي ذكر اللّه والتفكر بعظمته•
السدود وخزانات المياه قبل الميلاد:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هناك الكثير من المؤشرات والإشارات إلى إمكانات بناء السدود وخزانات المياه منذ آلاف السنين قبل الميلاد إلا أنّها لم تكن بالحجم والأهمية الكبيرة في تلك الفترة، لذلك نجد أن الحفريات الأثرية تؤكد أنّ السدود وخزانات المياه الكبيرة التي على قدر كبير من الأهمية بدأت مع بداية الألفية الخامسة؛ حيث بدأ الإبداع التقني في بناء السدود وخزانات المياه في هذه الألفية قبل الميلاد، علمًا أن المصادر لم تشر إلى سدود خزانات مياه في أرض المعمورة كما هي عليه في بلاد الرافدين، وخصوصًا في زمن سلالة لجش (لكش) في جنوب بلاد الرافدين فقد أقام الملك "أيا ناتوم" أهم هذه المشاريع، ومن ثم حفر قناة يسيطر عليها سد يقع على خزان بلغ استيعابه من المياه نحو 17 مليون غالون من الماء مستخدما في بنائه مواد رابطة (لملايين عدة من الطابوق المشوي) المقاوم للمياه والرطوبة فتؤمن صلابته ومقاومته لعوادي الزمن، وأن هذه المادة هي "القير" الذي كان يجلب من شمال بلاد الرافدين قرب الموصل حاليًّا، ومن غرب بلاد الرافدين عند مدينة هيت حاليا، وكلتا المنطقتين معروفتان بوجود "القير" فيها منذ آلاف السنين، وقد بلغ مجموع الكميات المستخدمة من القير في بناء السد نحو 259 مترا مكعبًا ، ولعل هذه الفترة شهدت بداية تكوُّن الأهوار في جنوب العراق بعد أن أقاموا هناك خزانًا للمياه.
ولأسباب غير معروفة انهار السد الذي كان مقامًا عليه ففقدوا السيطرة على المياه المتدفقة إليه لتتكون بدايات الأهوار هناك وخصوصًا أن هناك الكثير من النقوش السومرية والبابلية توضح عمليات صيد الأسماك في مناطق الأهوار مستخدمين الزوارق المصنوعة من القصب، والقفف المصنوعة من أوراق النخيل وأعواد الصفصاف، ولعلهم كانوا يستعملون "القير" أيضًا في طلاء هذه الوسائل لحمايتها من تسرب المياه إليها، وأن هذه الوسائل ظلت مستخدمة في العراق حتى وقت قريب، فقد شاهدت القفف المصنوعة من أوراق النخيل وعيدان الصفصاف والمطلية" بالقار"في بغداد وما جاورها من المدن والبلدات خلال السبعينيات من القرن العشرين الميلادي•
كما حفر الملك"أنتميتا" من سلالة لجش أيضًا- قناة طولها 140 كيلو مترًا لنقل المياه من نهر دجلة، ثم أقام عليها سدًّا استخدم فيه نحو ثمانية ملايين طابوقة مشوية ونحو 265 مترًا مكعبًا من "القير" .أما في الألفية الرابعة قبل الميلاد أقيم أضخم مشروع إروائي في بلاد الرافدين حتى يومنا الحاضر وهو مشروع النهروان؛ حيث كان يعتقد خطأ أنه يعود لفترة ما قبل الإسلام ، لقد كان هذا المشروع يتكون من قناة لنقل المياه طولها عشرات من الكيلو مترات أقيم عليها سد يؤدي إلى خزان ضخم يتسع لعشرات الملايين من الأمتار المكعبة لتخزين المياه وتوزيعها على الأراضي الزراعية التي تنتشر إلى مسافات شاسعة لغرض ري المزروعات خلال أوقات شحة المياه أو في المواسم التي لا تسقط فيها الأمطار•وفي الألفية الثالثة تم تنفيذ مشاريع إروائية عدة في بلاد الرافدين، أهمها المشروع الذي أقامه ملك بلاد الرافدين البابلي خلال القرن الثالث من الألفية الثانية، ويتكون من قناة حُفرت، وقد تجاوز طولها عشرات من الكيلو مترات بين مدينتي "أريدو" و"أور" سماها عطاء الشعب، وأقام عليها سًّا لتنظيم انسياب المياه وتوزيعها على مجموعة من مئات القرى تتبع عددًا من المدن المهمة التي تتوافر فيها مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية .كما تمكن البابليون من ضبط فيضان نهر الفرات بإقامة السدود عليه مع استخدام منخفض "الحبانية وأبي دبس" لتصريف مياه النهر خلال مواسم الفيضانات، وفي الوقت عينه استخدم هذان المنخفضان كخزانين لمياه النهر خلال مواسم الفيضانات، كما استخدم هذان المنخفضان كخزانين للمياه.أما على نهر دجلة فقد أقام الآشوريون أضخم سد هو سد "نمرود" الذي أقيم في رأس الدلتا لتموين حوض "الناروان" ويعتقد اسمه النهروان حاليًّا- والواقع في الجانب الأيسر من النهر-، وكذلك لتموين جدولين يعرفان في الوقت الحاضر باسم "الدجيل والإسحاق" في جانبه الأيمن، وهذا يؤكد أن هذا المشروع قد تم إحياؤه على فترات زمنية مختلفة على مر العصور، وبخاصة أيام الحكم العباسي، حيث استخدمت هذه التسميات منذ العصر العباسي، وسنوضح ذلك لاحقًا.
أما الألفية الأولى قبل الميلاد فقد تميزت بانتشار السدود وخزانات المياه الضخمة وتعددها في بلاد الرافدين، وأهمها ما أقامه الملك "سنحاريب" في شمال البلاد؛ حيث حفرت قناة يبلغ طولها نحو 70 كيلو مترًا لتوصل المياه من المناطق الجبلية إلى مدينة "نينوي" ومزارعها، وأقام عليها سدًّا لينظم مياه القناة والسيطرة عليها، وقد استخدم في هذا السد نحو مليوني حجر مكعبة الشكل، طول ضلع الواحدة منها نصف متر، وتزن الواحدة ربع طن .كما قام الملك بحفر قنوات ذات سعات متباينة لجلب مياه العيون والأمطار من الجبال إلى مدينة "أربيل" التي ما زال اسمها يعرف باسم "أربيل" ولعل اسمها كان أيام العهد البابلي والآشوري "أربلا وأربل" وهي مدينة أقيمت على أطلال قلعة بنيت لأغراض عسكرية في بادئ الأمر أيام الحكم البابلي ثم زادوا تحصيناتها ووسعوها أيام الحكم الآشوري أو ربما قبل ذلك، ومن ثم أصبحت مدينة عامرة منذ أيام الحكم العباسي وحتى يومنا هذا إلا أن مساحتها تضاعفت أكثر، ولا بدّ أنّه في عهد "سنحاريب" تم بناء سدود على كل قناة يتناسب وحجم القناة ليؤدي إلى خزان لجمع تلك المياه الواردة من القنوات المختلفة السالفة الذكر.
وخلال فترة حكم "نبوخذ نصر" في وسط بلاد الرافدين أقام مشاريع إروائية عدة، منها السد الذي أقامه على نهر دجلة (عند جانب الكرخ من بغداد حاليًّا، ومازالت بقاياه موجودة في الموقع عينه حتى الآن)، ولعل هذا السد الذي كان قائمًا هناك قبل عهد "نبو خذ نصر" قام على صيانته وترميمه الملك المذكور، وذلك لتحويل جزء من مياه النهر إلى قناة تقع على الجانب الغربي منه؛ حيث المساحات الزراعية الشاسعة،كما شق نهرًا سمي نهر "ملكا" ولعلهم يقصدون نهر الملك، وأقاموا عليه سدًّا له بوابات تتحكم في مرور المياه وتوزيعها، وتؤدي إلى خزان ضخم للمياه قدر محيطه بنحو أربعين فرسخًا أي ما يعادل نحو 200 كيلو متر، وبعمق 35 مترًا .
وهنا يجب ألا يغيب عن بالنا ما قام به أهل "سبأ" من منجزات في هذا المجال وبخاصة إنجاز ملكهم "المركب يشع" الذي حفر الكثير من قنوات المياه، وأنشأ السدود التي أقامها عليها، وأهمها "سد مقران" الذي أوصل المياه عبر قناة إلى منطقة "أبين" و"سد" و"يثعان" وغيرها، وأهم هذه السدود سد "مأرب" وهو موجود في وادي "ذنه" الذي تقع مدينة مأرب عند حافته الشمالية؛ حيث يقع بالقرب منها جبل"بلق" الذي يشقه وادي "ذنه" إلى نصفين هما "بلق" الأيمن و"بلق" الأيسر، فأقام "المأربيون" سدًا عظيمًا في مقدم الوادي لحجز مياه السيول الواردة من أعالي الجبال المحيطة بالوادي المؤدي إلى منخفض عظيم، حيث استخدم لتخزين المياه خلال موسم الأمطار ، ثم تهدم هذا السد بسبب السيول العظيمة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم باسم سيل"العرم"، ولعل تراكم الطمي في منخفضه مع تصدع السد على مر السنين التي تجاوزت قرونًا عدة، حيث كان الملوك العرب قديما يعملون على صيانته وترميمه وتعليته، ولعل آخرهم ملوك اليمن "شرحبيل يعفر" الذي حكم اليمن خلال القرن الخامس الميلادي أهمل جميع هذه الأمور وغيرها ما أضعف السد، وأدى إلى انهياره.
السدود وخزانات المياه قبل الإسلام (بعد الميلاد):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إن الأثريين أكدوا وجود الكثير من خزانات المياه مثل منخفض"الثرثار والحبانية والرزازة وساوة وبحر النجف"، وقد استخدمت هذه كخزانات للمياه في عهود مختلفة من الزمن، إلا أن المصادر لم تساعدنا في تحديد الفترات الزمنية التي نفذت خلالها هذه الأعمال بدقة، وكذلك نسب بعض"منخفض الثرثار" مثلاً إلى فترة حكم الحضر في بلاد الرافدين ، ولكننا لم نتمكن من التأكد من صحة هذه المعلومات لضعف الأدلة التي أشاروا إليها، فإنه من الممكن أن تعود هذه المنجزات إلى فترات زمنية أقدم، ثم أعيد ترميمها وصيانتها خلال فترات زمنية لاحقة، كما ذكرت بعض المصادر أن أهل الحيرة في بلاد الرافدين استغلوا منخفض بحر النجف في إقامة مشاريع إروائية لتخزين المياه، إلا أنّها غير واضحة المعالم والتفاصيل، ولعل أهل الرافدين استخدموا هذا المنخفض لتخزين المياه بغية الاستفادة منها عند شحة المياه، أو لاستخدامها في غير مواسم الأمطار قبل هذه الفترة الزمنية بكثير، أي منذ فترات ربما تعود إلى الفترة البابلية المتأخرة..
ولعل هذه الفترة شهدت تكَّون الأهوار بمساحاتها الشاسعة حاليًّا في جنوب العراق نتيجة الفيضانات المتتالية على مر السنين، بعد أن انهارت الكثير من المشاريع الإروائية والسدود المقامة على خزانات المياه هناك.
مثل هذه الأعمال لم تكن مقتصرة على أهل بلاد الرافدين فقط في تلك الفترات الزمنية، ومن ثم نجد أن عرب الجزيرة قاموا بمشاريع مهمة في التخزين والسيطرة على مياه الينابيع المنبثقة من سطح الأرض والآبار الغنية بالمياه الجوفية وحسن استغلالها داخل صهاريج صخرية وكهوف تحت سطح الأرض، من دون أن تتعرض لتأثيرات أشعة الشمس وحركة الرياح، وفي الوقت عينه لا ندري كيف كانوا يحافظون على هذه المياه من العفونة والتلوث، وهي ما زالت شاخصة للعيان وخصوصًا في منطقة "كندة" ي شمال الجزيرة العربية، وتدمر في بادية سوريا، والبتراء في بادية الأردن، والأغوار والنقب في جنوب فلسطين ومنطقة الحميريين في اليمن .
وقد أثبتت الاستكشافات الحديثة في جنوب الجزيرة العربية في حضرموت وأرض عاد (منطقة الربع الخالي) أنهم استخدموا في هذه المناطق الصهاريج الصخرية تحت الأرض أيضا لتخزين المياه، ولعلهم استخدموا الأفلاج لسقاية مدنهم وبلداتهم لري مزروعاتهم أيضًا.
السدود وخزانات المياه في ظل الإسلام:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد الفتوحات العربية والإسلامية وحروب التحرير التي طالت كل الجزيرة العربية وشمالها في بلاد فارس وبلاد الرافدين وبلاد الشام وصولاً إلى بلاد النيل، أصبح أمام العرب والمسلمين مهام جديدة لإرجاع البلدان التي حرروها من ويلات الكفر والشرك وإفقار الشعوب، فقد حولوها إلى رقيها الزراعي الذي بلا شك يتطلب إعادة تخطيط وإنشاء المشاريع الإروائية، وبخاصة السدود والخزانات التي يرجع الكثير منها إلى عهود أسلافهم التي أهملوها فآلت إلى الخراب أو أن أسلافهم دمروها في أثناء الحروب التي خاضوها ضد المسلمين، وهذا ما فعلته جيوش كسرى في العراق قبل معركة القادسية وخلالها، وجيوش الروم في بلاد الشام قبل معركة اليرموك وخلالها. علمًا أن القرآن الكريم أكد في أكثر من سورة على أهمية الزراعة والمياه بالنسبة لخلقه في تأمين غذائهم، فعلى سبيل المثال جاء في سورة ق قوله تعالى {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: 7 - 11].ولذلك ازداد اهتمام العرب والمسلمين في هذه المجالات تحقيقًا لامتداد جيوشهم وشعوبهم والشعوب الأخرى التي دخلت الإسلام لأمنهم المائي والغذائي.فعلى سبيل المثال ذكر البلاذري في كتابه فتوح البلدان أن مجموع مساحة أراضي السواد التي خضعت للخراج في زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب خلال الفترة 13-23 هجرية، قد بلغت 36 مليون جريب أي ما يساوي نحو خمسين ألف كيلومتر مربع.وهذه المساحة تساوي ثلثي مساحة الدلتا ما بين نهري دجلة والفرات الصالحة للزراعة، ونحو ثمن مساحة العراق الإجمالية في الوقت الحاضر، وهذه المساحة وغيرها كانت تتطلب كميات كبيرة جدًّا من المياه السطحية لاستزراعها، أي كان لابد أن يعيدوا المشاريع الإروائية إلى أفضل مما كانت عليه لضمان الغذاء ليس لجيشهم وشعبهم فقط بل للشعوب المحررة أيضًا قدر المستطاع، وعلى الرغم من أن ما فعلوه في تلك المرحلة ليس بالشيء الكبير؛ حيث كانوا مازالوا منشغلين بحروب التحرير والفتوحات الإسلامية حتى ذلك الوقت، إلا أنّهم تمكنوا من مسح سقي الفرات من قبل عثمان بن حنيف أيام الخليفة عمر والمتولي لمساحة سقي دجلة هو حذيفة بن اليمان والقناطر المعروفة بقناطر حذيفة وإليه نسبت .
لذلك نجدهم بعد فترة حكم الخلفاء الراشدين كان العرب والمسلمون أكثر اهتمامًا في هذه المجالات؛ مما جعل أعمالهم أكثر وضوحًا ونضجًا، فخلال حكم الدولة الأموية أنشئوا السدود وخزانات المياه في الكوفة، واستخدموا بحر النجف لهذا الغرض لتخفيف وطأة الفيضانات، وسعى عبد الملك بن مروان لإحصاء كميات الأمطار بالإمكانات المتاحة لديهم في ذلك الوقت، فقد بدأ في تلك الفترة بداية الاهتمام بالأنواء عن العرب والمسلمين، كما عمل الحجاج والي العراق على إقامة السدود لتجفيف البطائح (المقصود بها الأهوار) وإعمار شمال مدينة البصرة، وبمساحة نحو مئة ألف دونم .ومن أهم السدود التي أنشأها الأمويون هو سد "خربقة" مع خزان ضخم لتخزين وجمع المياه وتوزيعها، وقد كان هذا السد والخزان يقع على الطريق المؤدية من مدينة دمشق إلى مدينة تدمر، ويبدو أن العرب والمسلمين أعادوا إنشاء هذه المدينة بعد أن أصبحت أطلالاً في القرون الخوالي، والجميل في الأمر أن الأمويين استخدموا الأقنية الخزفية وشبكة ري حجرية في توزيع المياه هناك .
إلا أن التطور في مجال إقامة السدود وخزانات المياه وصل إلى مرحلة كبيرة من التطور في العصور العباسية الأولى، وهذا ما جعل الخبير البريطاني "وليم ويلكوكس" يذكر في كتاباته عن تطور الري في العراق أيام الخلفاء العباسيين فذكر أنها تشبه ما أقامه الأميركيون والأستراليون من مشاريع الريفي القرن العشرين الميلادي .
لقد عمل العباسيون على التوسع الزراعي لزراعة جميع المساحة المتاحة في العراق بخاصة والولايات المختلفة الأخرى بعامة، إلا أن ذلك تطلب منظومة من الشبكات الإروائية والسدود التي تضمن زراعة تلك المساحة من خلال تأمين كميات المياه اللازمة لذلك، فقد عمل الخليفة العباسي"أبو جعفرالمنصور"على تنظيم وسائل الإرواء بغية الاستفادة القصوى من كميات المياه المتاحة، وذلك بإقامة السدود على نهر الفرات للسيطرة على مياهه ثم توزيعها على جداول وقنوات لتحقيق الاستفادة القصوى من النهر، فتمكنوا من زراعة وإرواء جميع الأراضي الممتدة من شمال الصحراء الغربية، وحتى منطقة الجبال في شمال بلاد الرافدين وصولا إلى شواطئ الخليج العربي جنوبا• كما أنهم أقاموا سدين في شمال غرب بغداد ليتوزع منهما نهران، هما نهر "الدجيل" الذي جعلوا له قنوات تنفذ في الشوارع والدروب لإيصال المياه إليها صيفًا وشتاء ، ونهر كرخايا" لسقاية البساتين هناك، وفي أطراف بغداد أقاموا سدين للسيطرة على مياه نهري "القلائين والبزازين" اللذين تم تنفيذهما لسقاية بساتين هذه العاصمة ، وكذلك أقاموا سدًّا على نهر"عيسى" وعملوا عليه سدًّا آخر ليتفرع عنه نهر "الصراة" مارًّا بمنخفض"عقرقوف" ثم أقاموا سدًّا آخر ليتفرع عنه نهر "الخر" وهو معروف اليوم باسم نهر "الخير" قد طمر لاحقًا، ومع اتساع حجم خزانات المياه والسدود التي سيطروا على مياهها ونظموا تدفقها جعلوا لها ديوانًا سموه ديوان الأقرحة (يقصد به ديوان الماء) .ومن الأنهار العظيمة التي شقها العباسيون نهر "النهروان" الذي عملوا له سدًّا عند الجهة الشرقية لنهر دجلة جنوب بلدة الموصل ليمتد النهر 150 ميلاً شمال بغداد، ثم يمتد من العاصمة العباسية جنوبًا ولمسافة 100ميل حتى شمال مدينة واسط .علمًا أن هناك محاولات أخرى نفذت في مواقع أخرى أيام الدولة العباسية، كالسد الذي اقترحه وحاول تنفيذه الحسن بن الهيثم على نهر النيل في مصر* إلا انه لم يفلح ولم نتمكن من معرفة الأسباب وراء ذلك، مع العلم أن هناك العديد من العرب والمسلمين الذين أبدعوا في هذا المجال منهم أبناء موسى بن شاكر والمهيمن قيصر بن أبي القاسم وعبد الغني بن مسافر . كما أن العرب والمسلمين في الأندلس أبدعوا أيضًا في مجال السدود، فقد أوضح المؤرخ "سديو" واصفًا مهارتهم في ذلك نقلا عن مجلة نور الإسلام فقال عنهم: وأبدعوا في الريّ أيمّا إبداع ويدل عليه ما فعلوه في "سهل هوسط" الذي يقسمه "نهر طونة" إلى قسمين فإنهم وقفوا تيار هذا النهر على بعد فرسخين من مصبه بوساطة سد، ثم اشتقوا منه سبعة جداول ثم عمدوا إلى كل جدول من هذه الجداول السبعة فاشتقوا منه جداول ثانوية يفتح كل منها في ساعة معينة .وهنا علينا أن نتوقف قليلاً ونتساءل، لماذا جعلوا لهذا النهر سبعة جداول ولكل جدول جداول ثانوية؟ فهل يا ترى جعلوها سبعة جداول على عدد أيام الأسبوع؟ وكم كان عدد هذه الجداول الثانوية؟، فإن كانت مؤلفة من جدولين أو ثلاثة أو أربعة أو أي عدد من الجداول الثانوية، فهذا يعني أنّهم كانوا يسقون وفق جدول زمني أسبوعي، وإن كان يوم من أيام الأسبوع كان الريّ وفق جدول يومي على أساس عدد ساعات محددة، أي أن العرب والمسلمين في الأندلس كانوا في غاية الدقة في توزيع المياه والتصرف.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصدقاء السوء وصفاتهم وطرق الابتعاد عنهم// بقلم الدكتور صالح العطوان الحيالي الحيالي

ابطال منسيون "ابو محمد عبدالله البطال " ــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق -28-12-2018 رأس الشجعان والأبطال أبو محمد عبد الله البطال ، وقيل : أبو يحيى من أعيان أمراء الشاميين . وكان شاليش الأمير مسلمة بن عبد الملك ( معنى شاليش معناه: الراية الكبيرة وعليها خَصلة من شعر الخيل، يرفعها حاملها في مقدمة الجيش.)، وكان مقره بأنطاكية ، أوطأ الروم خوفا وذلا . ولكن كذب عليه أشياء مستحيلة في سيرته الموضوعة . وعن عبد الملك بن مروان أنه أوصى مسلمة أن صير على طلائعك البطال ، ومره فليعس بالليل ، فإنه أمير شجاع مقدام . عُرف عن ابن بطال أنه من الأبطال المعدودين والشجعان الموصوفين، وقد نسجت حوله كثير من الأساطير، لكن ما صح عنه أن الروم كانت تخشاه وتخافه من فرط شجاعته. وفتح الله على يديه كثير من المدن الرومية؛ ففي سنة ثمان ومائة غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم، وبعث البطال على جيش كثيف، فافتتح جنجرة وغنم منها شيئًا كثيرًا. وفي أربع عشرة ومائة فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وعلى اليمنى سليمان بن هشام بن عبد الملك، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام: وفيها التقى عبد الله البطال وملك الروم المسمى فيهم قسطنطين، وهو ابن هرقل الأول الذي كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأسره البطال، فأرسله إلى سليمان بن هشام، فسار به إلى أبيه. ووصفه صاحب النجوم الزاهرة بأنه كان أحد أمراء بني أمية، وكان على طلائع مسلمة بن عبد الملك بن مروان في غزواته، وكان ينزل بأنطاكية، وشهد عدة حروب وأوطأ الروم خوفًا وذلًّا عبد الله البطال (توفي عام 740م الموافق 122هـ) مجاهد مسلم ظهر في الحروب الإسلامية البيزنطية في بدايات القرن الثامن الميلادي، شارك في عدة حملات قادتها الدولة الأموية ضد الإمبراطورية البيزنطية. الحقائق التاريخية حول سيرته نادرة، لكنها نمت بعد وفاته وأصبح أسطورة شعبية، وأصبح شخصية شهيرة بارزة في الملاحم الأدبية التركية والعربية كبطال غازي. اختلف المؤرخون في نسبه، فقيل: هو أبو محمد البطال. وقيل: أبو يحيى، واسمه عبد الله. نشأته ونسبه ــــــــــــــ هو عبد الله بن عمرو بن علقمة البطّال الملقب بالأنطاكي لأن مقرّه كان بأنطاكية، أحد القواد العرب الشجعان المشهورين في العصر الأموي، وأحد رؤساء عرب الجزيرة الذين كانوا يغزون ثغور الروم، ولا تذكر كتب التاريخ سنة مولده وإن كان أكثرها يحدد سنة وفاته، واختلف المؤرخون في كنيته فهو أبو محمد وأبو يحيى أو أبو الحسين، وإن لم يختلفوا في ذكر سيرته والأحداث التي مرّت معه لا يعرف عن نشأته وحياته المبكرة شيء، ويدعى "عبد الله أبو الحسين" (وفي روايات مختلفة: أبو محمد، أبو يحيى) الانطاكي، نسبة إلى مدينة أنطاكية وغير أنطاكية مدينة دمشق، وذكر ابن حجر العسقلاني أنه وعبد الوهاب بن بخت من موالي بني أمية. ونسبته "الأنطاكي" بدلاً من أن ينسب لقبيلة ما ويوحي هذا أنه ليس عربي النشأة. اقترح خالد يحيى بلانكنشب بأنه ربما يكون نفس الشخص "عمرو" الذي سجل اسمه المؤرخ البيزنطي تيوفان المعرف في حملة نيقية 727م، وبالتالي "عمرو" ربما يكون اسمه الحقيقي أو اسم والده (ويكون:عمرو بن عبد الله أو عبد الله بن عمرو) وربما يكون اسم عبد الله تشريفي. سيرته ـــــــــ يُعتقد أن البطال أشترك في في حصار القسطنطينية (717-718). وفقاً للمصادر التاريخية (المؤرخان: اليعقوبي ومحمد بن جرير الطبري) ظهر البطال لأول مرة 727م، في واحدة من الغارات السنوية ضد الأناضول البيزنطي، قاد هذه الحملة معاوية بن هشام ابن الخليفة هشام بن عبد الملك (حكم من 723م – 743م). قاد البطَال طليعة الجيش وسيطر على مدينة خنجره، قبل أن يدخل الجيش في حصار نيقية (727) الغير ناجح. يعتبر بلانكنشب أن سيطرة البطال على خنجره تعتبر واحدة من أعظم نجاحات الأمويين ضد البيزنطيين في هذه الفترة، إلى جانب سيطرة مسلمة بن عبد الملك على قيصرية في 726م. قاد البطال غارة أخرى لا يُعرف عنها الكثير في (731م – 732م). ولم تكن موفقة وذُكر أنه توفي فيها الأمير العربي عبد الوهاب بن بخت. في العام التالي 115 هـ تولى البطال قيادة جزء في حملة إلى جانب معاوية بن هشام ودخلوا أفيون قره حصار في فريجيا. حاول الجيش البيزنطي التصدي للمسلمين، ولكن البطال هزمهم، وأسر قسطنطين وذلك حسب المصادر الإسلامية وتقول المصادر البيزنطية أن الذي أسره البطال هو شخص كان يدعي العرش البيزنطي. التراث ـــــــــــ يــــــــــعتبر بلانكنشب أن سيطرة البطال على خنجره تعتبر واحدة من أعظم نجاحات الأمويين ضد البيزنطيين في هذه الفترة، إلى جانب سيطرة مسلمة بن عبد الملك على قيصرية في 726م. قاد البطال غارة أخرى لا يُعرف عنها الكثير في (731م – 732م). ولم تكن موفقة وذُكر أنه توفي فيها الأمير العربي عبد الوهاب بن بخت. في العام التالي 115 هـ تولى البطال قيادة جزء في حملة إلى جانب معاوية بن هشام ودخلوا أفيون قره حصار في فريجيا. حاول الجيش البيزنطي التصدي للمسلمين، ولكن البطال هزمهم، وأسر قسطنطين وذلك حسب المصادر الإسلامية وتقول المصادر البيزنطية أن الذي أسره البطال هو شخص كان يدعي العرش البيزنطي. د منه بالضرب ورده إلى القسطنطينية؛ وعبد الله البطال، وعمرو بن عبد الله، وعلي بن يحيى الأرمني...» ذكر ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق الكثير من الروايات حول البطال منها: ذكر البيزنطيين اسمه لتخويف الأطفال، ودخوله عمورية وتظاهره بأنه رسول وكشفه خططهم، ودخوله دير فيه نسوة (تزوج احداهن لاحقاً) وقتله أحد البطارقة. ومقابلته الإمبراطو ليو ووفاته وطلبه منه أن يدفنه من معه من أسرى المسلمين، ففعل الملك. ومن ناحية أخرى بداية بابن عساكر ومعاصره السموأل بن يحيى المغربي انتقد الكثير من المؤرخين المسلمين مختلف الافتراءات أدخلت في حسابات حياة البطال. ويقول الذهبي: «إن القُصّاص حكوا عنه ـ أي البطال ـ من الخرافات ما لا يليق». وقال ابن كثير بعد حديثه عن البطال: «وأما ما يذكر العامة عن البطّال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة (ذات الهمّة) والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وجهل وتخبط فاحش». وقال ابن كثير بعد أن لخص سيرته في كتابة البداية والنهاية: «وأما ما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة، والبطال، والأمير عبد الوهاب، والقاضي عقبة فكذب وافتراء، ووضع بارد، وجهل كبير، وتخبيط فاحش، لا يروج ذلك إلا على غبي أو جاهل ردي، كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسي المكذوبة، وكذلك سيرة البكري، والدنف وغير ذلك، والكذب المفتعل في سيرة البكري أشد إثما وأعظم جرما من غيرها; لأن واضعها يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.» أعمال عنه ـــــــــــ استغل اسم عبد الله البطال في عملين الأول في اللغة العربية (سيرة ذات الهمة والبطّال) أو دلهمه والثاني في الملحمة الأدبية التركية الشعبية سيد بطال غازي. وعلى الرغم من أن كلاهما تم تأليفهما في القرن الثاني عشر ورسما على تقاليد عربية، فهما يعرضان فروقات هامة، فالرواية التركية تتضمن العديد من التأثيرات الفارسية والتركية، بما فيها العناصر الخارقة من التقاليد الشعبية أو زخارف من الشاهنامه ورواية أبو مسلم.كل من الروايات تضع البطّال في منتصف القرن التاسع الميلادي وتربطه بملطية وأميرها عمر الأقطع (المتوفى:863م) ونتيجة لذلك أصبح مرتبطاً بشكل خاص مع مدينة ملاطية وما حولها. أخذ الصحصاح بطل قبيلة بني كلاب دور البطّال الخاص في الحروب الأموية ضد البيزنطيين في دلهمه. وفي هذه الروايات ظهر البطال كبطل إسلامي وأصبح يشبه فيها أوديسيوس (المشهور بالمكر والدهاء) في الدهاء.واعتبره الأتراك رمزاً بارزاً في فتوحاتهم للأناضول بعد فتح ملطية 1102 على يد الدانشمنديين. عُمل على قصصه (بالتركية:Battalname) في عهد السلاجقة والعثمانيين، وأصبح موضوعاً لمجموعة كبيرة للعديد من الحكايات الشعبية. ويرفع العلاهيون والبكتاشية من قدره ويسمونه بالسيد، وللبطال مزار في مدينة سيد غازي-التي سميت باسمه-، ويأتيه الزوار من مناطق بعيدة مثل آسيا الوسطى حتى أوائل القرن 20 عبدالله بن عمرو بن علقمة البطّال الملقب بالأنطاكي لأن مقرّه كان بأنطاكية، أحد القواد العرب الشجعان المشهورين في العصر الأموي، وأحد رؤساء عرب الجزيرة الذين كانوا يغزون ثغور الروم، ولا تذكر كتب التاريخ سنة مولده وإن كان أكثرها يحدد سنة وفاته واختلف المؤرخون في كنيته فهو أبو محمد وأبو يحيى أو أبو الحسين، وإن لم يختلفوا في ذكر سيرته والأحداث التي مرّت معه. رُوي أن الخليفة الأموي عبد الملك حين عقد لابنه مَسْلَمة على غزو بلاد الروم ولّى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطّال، وقال لابنه: «سيّره على طلائعك ومره فليعسّ بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع» فكان تحت إمرة البطّال عشرة آلاف من المحاربين جعلهم ترساً ما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم. شهد البطّال عدة حروب، وأوطأ الروم خوفاً وذلة، فكانت الروم تهابه هيبةً شديدة. وتذكر قصص التاريخ عن شجاعته وجرأته ومغامراته في بلاد الروم حكايا غريبة لا تكاد تُصَدّق، إذ كان البطال ذا قلبٍ جريء لا يهاب، وكان يقول: «الشجاعة صبر ساعة»، وكان يساعده في ذلك معرفة بلغة الروم فقد كان يتكلمها كأحد أبنائها. واشتهر أمره بين الروم فهابوه حتى صارت الأمهات الروميات يخفن أطفالهن به، ويروى أن رجالاً من جيش المسلمين توغلوا في أرض الروم ولم تعرف أخبارهم، فسار البطّال وحيداً إلى أرض الروم لإنقاذهم، ووقف على باب عمورية وادّعى أنه سياف ملك الروم ورسوله إلى بطريق المدينة ففتحت له الأبواب، ولما وصل إلى البطريق طلب إليه أن يخرج من في المجلس، فلما فعل كشف البطّال عن شخصيته وهدد البطريق بالسيف وأمره أن يُصدقه القول في أمر السرية المسلمة، فأخبره البطريق أنهم توغلوا في البلاد وملؤوا أيديهم بالغنائم، وسمى له الوادي الذي وصلوا إليه، فغمد البطّال سيفه وطلب الأمان ثم تناول طعاماً، ولمّا خرج من عند البطريق لم يكشف هذا عن شخصية البطّال، بل أمر الناس أن يفسحوا الطريق لرسول الملك، واستطاع البطّال أن يصل إلى السرية ويخرج بأفرادها بما غنموا إلى منطقة لاتتبع الروم، وتزوج إحدى الروميات السبيات وهي أم أولاده، وكان أبوها بطريقاً كبيراً. كان البطال شديد الإيمان، يسأل دائماً الله الحج ثم الشهادة، ولم يتمكن من الحج إلا في السنة التي استشهد فيها. ويروى أن الملك ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية لغزو بلاد العرب ...فكتب بذلك البطريق - أبو زوجة البطال إلى صهره. فخبّر البطّال بذلك عساكر المسلمين، وأشار على القائد مالك بن شبيب أن يتحصن الجنود في حرّان، وهي إحدى مدن الروم المخرّبة وذلك حتى يصل قائد الخليفة سليمان بن هشام، ولكن مالكاً بن شبيب أبى عليه ذلك ودهم جيش الروم، فاضطر البطّال إلى خوض المعركة مع الجيش بعد أن وصّى ألا يلفظ أحد اسمه، واتفق أن ناداه أحدهم خطأ فعرفه الروم، وحملوا عليه، وقتلوا من حوله، وانكسر المسلمون، وقُتل مالك بن شبيب فيمن قُتل، ولما مالت الشمس رأى الملك أن يرجع إلى المعسكر ليدهم من تبقى من المسلمين في يومه التالي، وهنا أمر البطّال منادياً يدعو الناس إلى الذهاب إلى قرية سنّادة ليتحصنوا فيها على ألا يتركوا جريحاً أو ضعيفاً في ميدان المعركة، وأوهم الجيش أنه سينسحب معهم، وبقي في قلّة في ميدان المعركة ليؤخر وصول جيش الروم. ولما نشب القتال في اليوم التالي استبسل البطال حتى جرح ووقع، فقال له الملك: أبا يحيى كيف رأيت؟ قال: ما رأيت كذلك، الأبطال تَقْتُل وتُقتَل» فأمر الملك ليون الذي كان معجباً بشجاعة البطّال أن يؤتى له بالأطباء، فأخبروه أن جراحه مميتة، فسأل الملك البطال: «هل من حاجة؟» قال: نعم، تأمر من لديكم من أسرى المسلمين بتكفيني والصلاة عليّ ودفني وتخلّي سبيل من ثبت عندي، ففعل الملك،وكانت جيوش الخليفة قد وصلت، فسار ليون إلى القسطنطينية وتحصّن بها. وقد اقترن اسم البطّال باسم صديق له في التاريخ وفي القصة الشعبية التي وردت على لسان الناس بعد ذلك، وهو أبو عبيدة عبد الوهاب بن بخت مولى آل مروان، وقد وصف بأنه كان كثير الحج والعمرة والغزو، وأكثر الروايات التاريخية تجعل موت البطّال في السنة ذاتها التي مات فيها صديقه أبو عبيدة. البطّال في السيرة الشعبية: في عصر الدول المتتابعة زاد ميل الشعب إلى الأساطير البطولية، وظهر أدب السيرة الشعبية الذي يمثل الحياة التي يتمناها الناس والتي يسودها العدل والصدق وينتصر فيها العرب وما يؤمنون به على أعدائهم أكانوا من أولئك في الداخل الذين يصانعون العدو أم من أعداء البلاد في الخارج. وقد حدا ذلك القصاصين إلى التطلع إلى التاريخ يستمدون منه شخصيات الأبطال ذات الصلة بالواقع، ثم يمزجون بين الأسطورة والتاريخ. وقد استهوت سيرة البطّال وصديقه عبد الوهاب وشجاعتهما عامة الناس الذين يولعون عادة بالغرائب والبطولات فيما يخص الرجال الذين أوتوا من القدرات ما يفتقر إليه البشر العاديون، وقد ورد ذكر لقصة البطال الشعبية عند المقري وفي تاريخ الذهبي الذي يقول: »إن القُصّاص حكوا عنه ـ أي البطال ـ من الخرافات ما لا يليق . أما ابن كثير فيورد بعد حديثه عن البطال القائد الأموي: وأما ما يذكر العامة عن البطّال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة (ذات الهمّة) والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وجهل وتخبط فاحش». وقد حملت القصة الشعبية عن البطال اسمه في البدء ثم حوّل القصاصون العنوان إلى ذات الهمة. ومع موقف المؤرخين من الأدب الشعبي عامة فقد انتشرت بين طبقات الشعب السير التي تتحدث عن الأبطال. وقد استهوت سيرة البطال الأتراك وهم الذين حاربوا الروم وفتحوا القسطنطينية فظهر بينهم بطل اسمه (سيد بطّال) وقبره في سيد غازي جنوب إسكي شهر، وقد ألفت حول حياته سيرة شعبية تختلف عن السيرة الشعبية العربية درسها المستشرق فليشر. ويبدو أن هذا اللقب حمله آخر ورد اسمه في كتب التاريخ المتأخرة كتاريخ الجنابي واسمه أبو محمد جعفر بن السلطان حسين بن ربيع بن عباس الهاشمي ذكروا أنه ولد بملطية وكان على قيد الحياة سنة 1000هـ ويبدو أن هؤلاء المؤرخين تأثروا بالقصة الشعبية التركية سيد بطّال وفاته ـــــــــ لقد تمنى عبد الله البطال الحج والشهادة راجيًا من الله أن ينالهما وشاءت إرادة الله أن يكتب له الحج والشهادة في عام واحد فبعد إقفاله من الحج عاد إلى الثغور؛ ليكون في طليعة المجاهدين وليفوز بالشهادة التي طالما تمناها، وخاض من أجلها كثير من الحروب. وسبب شهادته -كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية- أن ليون ملك القسطنطينية قد خرج في ألف فارس يريد المسلمين فأرسل البطريق إلى البطال، وكان البطال متزوج بابنة البطريق يخبره بخروج ليون، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، وكان الأمير مالك بن شبيب، وقال له: المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالاً شديدًا والأبطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفًا عليه من الروم، فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطًا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها، وأصبح ليون فوقف على مكان المعركة فإذا البطال بآخر رمق، فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الأبطال، فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه فإذا جراحه قد وصلت إلى مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يلوا غسلي والصلاة عليَّ ودفني. ففعل الملك ذلك، وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، وانطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة والحصار إذ جاءتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هاربًا راجعًا إلى بلاده، قبحه الله، فدخل القسطنطينية وتحصن بها. قال خليفة بن خياط: كانت وفاة البطال ومقتله بأرض الروم في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقال ابن جرير: في سنة ثنتين وعشرين ومائة. وقال ابن حسان الزيادي: قتل في سنة ثلاث عشرة ومائة، قيل وقد قاله غيره وإنه قتل هو والأمير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشرة ومائة كما ذكرنا ذلك فالله أعلم، ولكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته إلا في هذه السنة، فالله أعلم قال رجل : عقد مسلمة للبطال على عشرة آلاف ، وجعلهم يزكا وعن ابن مروان عن البطال ، قال : اتفق لي أنا أتينا قرية لنغير ، فإذا بيت فيه سراج وصغير يبكي ، فقالت أمه : اسكت ، أو لأدفعنك إلى البطال فبكى فأخذته من سريره ، وقالت : خذه يا بطال فقلت : هاته . وجرت له أعاجيب وفي الآخر أصبح في معركة مثخونا وبه رمق فجاء الملك ليون ، فقال أبا يحيى : كيف رأيت ؟ قال : وما رأيت ؟ كذلك الأبطال تقتل وتقتل ، فقال : علي بالأطباء ، فأتوا فوجدوه قد أنفذت مقاتله ، فقال : هل لك حاجة ؟ قال : تأمر من يثبت معي بولايتي وكفني والصلاة علي ثم تطلقهم ، ففعل . قتل سنة اثنتي عشرة ، وقيل : سنة ثلاث عشرة ومائة . ظهر البطال آخر مرة في حملة كبيرة فيها عشرات الآلاف من الرجال من الجيش الأموي ضد البيزنطيين إلى جانب مع مالك بن شعيب، نائب حاكم ملطية، قاد البطال قوة من الفرسان قوامها 20000 في حين سليمان بن هشام قاد القوة الرئيسية التي تقف وراءها. وصلت قوة البطال وقوة مالك حتى أكرونيون المعروفة اليوم بأفيون قره حصار، ولكن تواجه وهُزم من قبل البيزنطيين بقيادة الإمبراطور ليو (الحاكم من: 717م - 741م) وولده قسطنطين في معركة أفيون قره حصار. لقى فيها جميع القواد المسلمين وثلثي الجيش حتفهم.