دولة الإسلام.... دولة العدل/ د. صالح العطوان الحيالي الحيالي

"دولة الإسلام.. دولة العدل "
ــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق- 22-5-2018
إن إقامة العدل وأداء الحقوق لأهلها من أسباب بقاء الدول وتفوقها وغلبتها،الجزاء في الدنيا متفق عليه أهل الأرض، فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: "الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة"
ولما سمع عمرو بن العاص المستوردَ بن شدادَ يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: تقوم الساعة والروم أكثر الناس. قال له عمرو: أبصر ما تقول؟ فقال المستورد: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمرو: لئن قلت ذلك؛ إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك. رواه مسلم.
فكأنَّ عمراً رضي الله عنه يحكم بأن هذه الخصال هي السبب في بقائهم وكثرتهم، وفي المقابل يكون الظلم وتضييع الأمانة وإهدار الحقوق هي معالم الخراب والهزيمة، وهذا أصل مقرر في علم الاجتماع، وقد عقد له ابن خلدون في مقدمته فصلا بعنوان: (الظلم مؤذن بخراب العمران). والمقصود أن الأمم الكافرة إن توفرت على معالم قيام الدول ونهضتها أقامها الله وجازاها بجنس عملها، ولا يظلم ربك أحدا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها. رواه مسلم. فالله تعالى يعطيهم في الدنيا ما يستحقونه باعتبار ما عندهم من خير وما يبذلونه من حق.فهذا جانب، وهناك جانب آخر لا يصح إغفاله في هذه القضية، وهو أن الله تعالى قد ينصر أمة كافرة على أمة مسلمة؛ عقوبة لها على معاصيها، وشاهد هذا ما حصل في غزوة أحد، كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ {آل عمران: 152}.
وقد ذكر ابن كثير في حوادث سنة خمس عشرة وستمائة أن المعظم أعاد ضمان القيان والخمور والمغنيات وغير ذلك من الفواحش والمنكرات التي كان أبوه قد أبطلها، بحيث إنه لم يكن أحد يتجاسر أن ينقل ملء كف خمر إلى دمشق إلا بالحيلة الخفية، فجزى الله العادل خيرا، ولا جزى المعظم خيرا على ما فعل، واعتذر المعظم في ذلك بأنه إنما صنع هذا المنكر لقلة الأموال على الجند واحتياجهم إلى النفقات في قتال الفرنج. ثم علق ابن كثير على ذلك فقال: وهذا من جهله وقلة دينه وعدم معرفته بالأمور؛ فإن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء وينصرهم عليهم، ويتمكن منهم الداء ويثبط الجند عن القتال فيولون بسببه الأدبار، وهذا مما يدمر ويخرب الديار ويديل الدول، كما في الأثر: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني. وهذا ظاهر لا يخفى على فطن
وقال الدكتور/ ربيع بن محمد بن علي في كتابه (الغارة على العالم الإسلامي): الأمة الواعية كذلك هي التي تدرك أنها بتجرئها على المعاصي وابتعادها عن منهج إسلامها وشريعة خالقها، تجلب عليها سخط الله الذي قد يتسبب في أن يبعث عليها من يسومها- بسبب معاصيها- سوء العذاب، وفي الأثر أن بعض أنبياء بني إسرائيل نظر إلى ما يصنع بهم بختنصر من إذلال وقهر وإبادة وقتل وتشريد فقال: (بما كسبَتْ أيدينا سلطتَ علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا). وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض أنه قال: أوحى الله إلى بعض أنبيائه: (إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)
" أيها الناس: إنه والله ما فيكم أحدٌ أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القويّ حتى آخذ الحقّ منه!" كانت هذه المختصرة ذات المعنى الكبير وقد تلاها التطبيق لها والالتزام بها حتى النفس الأخير، هي أول خطبة لعمر الفاروق (رضي الله عنه) أو من أوائل خطبه، وبذلك عرف بالخليفة العادل، وقامت دولة العدل، دولة الإسلام العظيمة؛ لتتسع وتمتد من أقصى شرق الأرض إلى أقصى غربها.. تحت حكومةٍ واحدة وخليفةٍ حاكمٍ واحد، يُمضي حكم الله تعالى في الأرض ويحاسب ولاته بل عمّاله، مهما نأت بهم الديار أو بعدت الأفاق والأمصار.. بينما دِرّته كفيلة بأن تقرع أيّما رأسٍ فيهم مال عن جادة الحق أو حاد عن الصواب، ولو كان سعداً بن أبي وقاص خال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبطل القادسية لما أقبل يزاحم الناس ليصل إلى أمير المؤمنين بينما هو يقسم بين المسلمين مالاً؛ فضربه بالدرة وقال: إنك أقبلت لأنك لا تهاب سلطان الله في الأرض، فأردت أن أُعلّمك أنّ سلطان الله لا يهابك! أو سواءً كان عمرو بن العاص فاتح مصر لما ضرب ابنه الرجل المصريّ الذي سبقه في الطراد قائلا له: أتسبق ابن الأكرمين؟ فاستحضرهم الخليفة العادل جميعاً، واستقاد للمصريّ من ضاربه، وقرع عَمراً وهو يقول له:" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتُهم أحراراً؟" وكان يقول:" من استعمل رجلاً لمودةٍ أو قرابة لا يستعمله إلا لذلك فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" إنّ سيرة عمر العادل ومشاهد عدله أكبر وأكثر من أن تساق في مقال محدود السعة والسطور، وأكتفي هنا بأن أذكر ثلاثة مشاهد مما كان يأخذ به نفسه وأسرته من الشدة والصرامة؛ بحيث لا يؤثرهما بطعامٍ أو ملبسٍ دون سائر المسلمين، ولا يقبل لأحدٍ من أبنائه تميّزاً في تجارةٍ أو حدٍّ من حدود الله يحابَى به لقرابته من أمير المؤمنين.. من ذلك أنه لما أصاب المسلمين الشدة في عام الرمادة، حرم على نفسه اللحم والسمن واللبن وفرض عليها الزيت يأكله مصبحاً وممسياً ومعه شيءٌ من الخبز، ولما أحسّ حرّ هذا الزيت قال لمولاه: اكسر عني حره بالنار، فطبخ له الزيت فكان أشدّّ عليه، حتى كان بطنه يتقرقر فكان ينقره بإصبعه ويقول: قرقرْ ما تقرقر فليس لك عندنا إلا الزيت حتى يحيا الناس! ورأى يوما في أيدي بعض ولده حلوى فسأل عنها فقالت زوجه: كنت أوفر بعض الدقيق حتى اشتريت به هذه الحلوى.. فقال: ما دام الذي توفرينه يزيد عن حاجتنا فبيت مال المسلمين أولى به، وأنقص من حصتهم في الدقيق بمثل ما كانت توفره! ومن الأمثلة على عدم قبوله المحاباة لبنيه أنه كان لابنه عبد الله بعض الإبل فلاحظ عليها بعض السمنة، فعلم أنها تغشى مراعي الناس فيعتنون بها ولا يردونها دون إبلهم حتى سمنت، فأمر بردها إلى بيت المال! وذكر أنّ ابنه عبد الرحمن الأوسط كان بمصر فشرب الخمر مع صاحبٍ له، ثم ندما فجاءا إلى عمرو بن العاص يطلبان إليه أن يطهرهما بإقامة الحد عليهما، وكره عمرو أن يقيم الحد على ابن أمير المؤمنين بمشهد من الناس، فضربه في صحن داره، وبلغ ذلك عمر فكتب إلى عمرو يعنّفه أشدّ التعنيف، ويأمره أن يرسل إليه ابنه على قتب، وهو الرحل الصغير؛ ليكون السفر أشقّ عليه! حتى إذا جيء به مريضاً مكدوداً أقام عليه الحدّ بمحضر من جماعة المسلمين!
رسخ الإسلام مبادئه العادلة منذ أن بدأ وأنزل الله {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}[النساء:58]، ثم أنزل {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُ‌ونَ}[المائدة:44] أي أن ما أنزل الله هو العدل والحق ولننظر كيف كان النظام الإسلامي في العدل ونقارنه مع باقي النظم الأخرى بالتفصيل.
أولًا: براعة النظام الإسلامي في إقامة العدل في المواريث:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أقيمت ندوة بالولايات المتحدة للتحدث عن مشكلة المواريث بالدولة حيث إن الدولة بها 18 ألف صفحة تتحدث عن قانون الميراث ولايزال الموضوع هناك يسبب مشكلة كبيرة.. حينها قال الدكتور زغلول النجار لرجل يهودي يشارك بالمؤتمر: نحن عندنا لا توجد مشكلة في المواريث.
فقال الرجل ساخرًا: الولايات المتحدة -وهى دولة متقدمة- بها 18 ألف صفحة عن ذلك الموضوع ولم تحل المشكلة.. أعندكم حل في بلادكم المتخلفة؟
قال د.زغلول: نعم، وفي سطور بسيطة أيضًا، فقال الرجل: ائتنى بها
فقرأ د. زغلول السطور من القرآن الكريم قول الله تعالى في سورة النساء: {لِّلرِّ‌جَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَ‌كَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَ‌بُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَ‌كَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَ‌بُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ‌ نَصِيبًا مَّفْرُ‌وضًا}[النساء:7].
وقال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ‌ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَ‌كَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَ‌كَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِ‌ثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُ‌ونَ أَيُّهُمْ أَقْرَ‌بُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِ‌يضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَ‌كَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّ‌بُعُ مِمَّا تَرَ‌كْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّ‌بُعُ مِمَّا تَرَ‌كْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَ‌كْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَ‌جُلٌ يُورَ‌ثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَ‌أَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ‌ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَ‌كَاءُ فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ‌ مُضَارٍّ‌ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}[النساء:11،12]
وقال تعالى في آخر السورة: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُ‌ؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَ‌كَ وَهُوَ يَرِ‌ثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَ‌كَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّ‌جَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ‌ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[النساء:176].
فأسلم الرجل اليهودي لما عرف من الحق والعدل وقال: لم أرَ كلمات جامعات لكل الصلات العائلية كهذه.
ثانيًا: إعطاء المرأة حقوقها:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ لكل من يدعون أن الغرب هم من حرروا المرأة وأعادوا لها كرامتها. أين الكرامة عندما تستعمل المرأة "مانيكان" في الإعلانات ويكون كل وظيفتها جذب الناس بجسدها؟! أتلك هى الكرامة؟
إنَّ الكرامة التي أعطاها الإسلام للمرأة هي أكبر بكثير مما يظن أي أحد؛ فقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم الرجال بها وقال: "اتقوا الله في الضعيفين المرأة واليتيم" ، وقيل عن النساء: ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم. هذا غير أنه أنعم عليها بأن خلصها من عادات الجاهلية بوأد البنات صغارًا وحماهن بالحجاب من أن يكُنَّ سلعة يتاجر بها كما في الدول الغربية، كما لم يمنعهن من العمل إلا في منصب الرئاسة فقط لأنهن خلقن من ضلع أعوج وهو ما يفسره لنا الشيخ الشعراوي بأن المقصود هنا بالضلع الأعوج أن الحنان يغلب على تصرفاتها أكثر من العقل حيث إن الضلوع التي خلقها الله في صدر الإنسان لولا وجود غضاريف بينها ما استطاع الإنسان أن يتمايل ويتحرك لأنها ستصبح جامدة يستحيل معها الحركة وهذا هو المقصود من الكلام.. أن المرأة هي التي تحنو على كل من حولها فتستقبلهم وتتحرك معهم ولولاها لانكسر الإنسان ولم يستطع التمتع بالحركة ولهذا خلقت المرأة، خلقت للحنان وعمل توازن في البشرية بين القلب المتمثل فيها والعقل المتمثل في الرجل.. فنقص العقل لديها ليس عيبًا وليس تفضيلا للرجل.. الرجل أيضا ناقص.. ولكن في القلب والحنان.
ثالثًا: نظام الإسلام في التعايش بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نجد أن الإسلام هو أكثر ديانة تسامحت مع باقي الأديان، ولمن يقول إن الجزية هي ظلم فنقول له هذه الجزية ليست ضريبة ولا ظلمًا على عدم دخول أحدهم في الإسلام، بل هي مقابل زهيد جدا عن دفاع المسلمين عنهم بسبب عدم مشاركتهم في الجيش، وأنا أرى سقوط الجزية في أيامنا هذه لأنهم أصبحوا يشاركون في الجيش وفي حماية البلاد.
والإسلام قد خص النصارى بالمعاملة الحسنة وأوصانا الله بهم كثيرًا إذ قال: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَ‌كُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَ‌بَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَ‌ىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُ‌هْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُ‌ونَوَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّ‌سُولِ تَرَ‌ىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَ‌فُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَ‌بَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَ‌بُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ}[المائدة:82 – 84]، وقال سبحانه: {مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‌ وَيَأْمُرُ‌ونَ بِالْمَعْرُ‌وفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ‌ وَيُسَارِ‌عُونَ فِي الْخَيْرَ‌اتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ‌ فَلَن يُكْفَرُ‌وهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}[آل عمران:113 – 115]، وأوصانا بقول المعروف لهم في قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[العنكبوت:46]، كما قال إنه سيفصل بينهم يوم القيامة بالحق في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَ‌ىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَ‌كُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}[الحج:17] كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى خيرًا بالذات في أقباط مصر.
رابعًا: عبقرية النظام الإسلامى في العدل الاقتصادي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقول د. مصطفى محمود في كتابه سقوط اليسار: "لقد تحول التيار السياسي في العالم كله وسقط الفكر الماركسي حتى في بلاده وتراجع اليسار في إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وفقد أكثر مقاعده في هذه الدول وفقد سمعته وفقد شرفه، واليسار المصري مجرد أعمدة في الصحف وشعارات ولافتات وصيحات ولكن في لحظة الامتحان لا يجد له رصيدًا شعبيًّا ولا سندًا جماهيريًّا وهو مجرد بقية مما ترك عبد الناصر وقد جاء وقت المواجهة ولا مهرب.. مواجهة الفكر بالفكر.. مواجهة الأكاذيب بالإحصاءات والأرقام الدقيقة.. مواجهة التزييف بالوقائع وبالتاريخ الثابت" ويتكلم هنا عن الفكر الماركسي أو الشيوعي أو الاشتراكي الذي أثبت فشله في إقامة العدل بين الأغنياء والفقراء أو حتى في إقامة دولة ولذلك سقط.. وكذلك النظام الرأسمالي الربوي الفاشل الذي تسبب في تقدم أمريكا تقدمًا مقنعًا حيث سيطرت فئة واحدة على مقاليد الأمور في البلاد وشكلت "لوبي" أقوى من الحكومة نفسها في حين وجود الملايين في أمريكا القوى العظمى، الملايين تحت خط الفقر كأي دولة متخلفة وكذلك في أوروبا وباقي الدول التي يقال عنها "دول العالم الأول" نجد الفقراء والشحاذين في الشارع كأي دولة ممن يسمونهم دول العالم الثالث.. وهنا تتجلى عبقرية الإسلام في إقامة العدل في النظام الاقتصادي حيث يذكر ويحفر ويسجل التاريخ أن الدولتين الوحيدتين اللتين لم يظهر فيهما الفقر هما: الدولة الأموية في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، ودولة الأندلس في عصر أحد خلفائها العظماء وهو عبد الرحمن الناصر لدين الله وتتعالى الأصوات في الدول الغربية الآن لتطبيق النظام الإسلامي في الاقتصاد لأنه هو الوحيد الذي يمكنه تطبيق العدل ولو آتى كل مسلم زكاته ماكان هناك وجود للفقراء في أي بلد إسلامي بعيدًا عن وجود نهضة صناعية في البلاد ولنا في عصر عمر بن عبد العزيز أسوة وقدوة حيث تحولت البلاد في عام واحد من بلاد بها فقراء لبلاد لا تجد أين تصرف نقودها وحينئذ قال مقولته الشهيرة: "انثروا الحبوب على رءوس الجبال حتى لا يقال إن هناك طيرا جاع في بلاد المسلمين" وقيل إنه من شدة العدل كانت الذئاب ترعى مع الغنم حتى إذا مات عمر هاجم الذئب الغنم فعرف الراعي أن عمر قد مات.
ويضرب لنا الله أمثالًا كثيرة أخرى في النظام الاقتصادي والعدل في إقامة الموازين والمكاييل وكفي لنا إقامة للعدل قوله: {ويل للمطففين}[المطففين:1]
خامسًا: عبقرية النظام الاجتماعي في الدولة الإسلامية:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا" وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِن الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ" كما قال:" النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمِشْطِ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ، وَالْمَرْءُ كَثِيرٌ بِأَخِيهِ، وَلا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لا يَرَى لَكَ مِنَ الْحَقِّ مِثْلَ مَا تَرَى لَهُ" وقال: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" .
ومن أروع قصص العدل بين كل الناس أبيضهم وأسودهم أنه اجتمع الصحابة في مجلس لم يكن معهم الرسول عليه الصلاة والسلام فجلس خالد بن الوليد، وجلس ابن عوف، وجلس بلال، وجلس أبو ذر، وكان أبو ذر فيه حدة.. فتكلم الناس في أمر ما.. فتكلم أبو ذر بكلمة اقتراح: أنا أقترح في الجيش أن يفعل به كذا وكذا، فقال بلال: لا .. هذا الاقتراح خطأ، فقال أبو ذر: حتى أنت يا ابن السوداء تخطئني! فقام بلال مدهوشًا غضبان أسفًا.. وقال: والله لأرفعنك لرسول الله عليه الصلاة والسلام. واندفع ماضيًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وصل بلال للرسول عليه الصلاة والسلام.. وقال: يارسول الله.. أما سمعت أبا ذر ماذا يقول في؟
قال عليه الصلاة والسلام: ماذا يقول فيك؟؟ قال بلال: يقول كذا وكذا ... فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم.. وأتى أبو ذر وقد سمع الخبر.. فاندفع مسرعًا إلى المسجد فقال: يا رسول الله.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
قال عليه الصلاة والسلام: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية.
فبكى أبو ذر.. وأتى الرسول عليه السلام وجلس.. وقال يا رسول الله استغفر لي.. سل الله لي المغفرة.
ثم خرج باكيًا من المسجد..
وأقبل بلال ماشيًا.. فطرح أبو ذر رأسه في طريق بلال ووضع خده على التراب وقال: والله يا بلال لا أرفع خدي عن التراب حتى تطأه برجلك، أنت الكريم وأنا المهان. فأخذ بلال يبكي.. واقترب وقبل ذلك الخد ثم قاما وتعانقا وتباكيا.
ونعرف جميعًا أن الإمام العادل جعله الله ممن يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله وأن الإسلام أوصانا بإقامة العدل ولو على رءوس آبائنا أو إخواننا.
وهناك الكثير والكثير، والآن أيهما أفضل: ليبرالية جون لوك.. أم شيوعية كارل ماركس ولينين وستالين.. أم إسلام محمد النبي صلى الله عليه وسلم وإسلام أبى ذر وبلال وإسلام العمرين (بن الخطاب وبن عبد العزيز)؟ ......

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصدقاء السوء وصفاتهم وطرق الابتعاد عنهم// بقلم الدكتور صالح العطوان الحيالي الحيالي

ابطال منسيون "ابو محمد عبدالله البطال " ــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق -28-12-2018 رأس الشجعان والأبطال أبو محمد عبد الله البطال ، وقيل : أبو يحيى من أعيان أمراء الشاميين . وكان شاليش الأمير مسلمة بن عبد الملك ( معنى شاليش معناه: الراية الكبيرة وعليها خَصلة من شعر الخيل، يرفعها حاملها في مقدمة الجيش.)، وكان مقره بأنطاكية ، أوطأ الروم خوفا وذلا . ولكن كذب عليه أشياء مستحيلة في سيرته الموضوعة . وعن عبد الملك بن مروان أنه أوصى مسلمة أن صير على طلائعك البطال ، ومره فليعس بالليل ، فإنه أمير شجاع مقدام . عُرف عن ابن بطال أنه من الأبطال المعدودين والشجعان الموصوفين، وقد نسجت حوله كثير من الأساطير، لكن ما صح عنه أن الروم كانت تخشاه وتخافه من فرط شجاعته. وفتح الله على يديه كثير من المدن الرومية؛ ففي سنة ثمان ومائة غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم، وبعث البطال على جيش كثيف، فافتتح جنجرة وغنم منها شيئًا كثيرًا. وفي أربع عشرة ومائة فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وعلى اليمنى سليمان بن هشام بن عبد الملك، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام: وفيها التقى عبد الله البطال وملك الروم المسمى فيهم قسطنطين، وهو ابن هرقل الأول الذي كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأسره البطال، فأرسله إلى سليمان بن هشام، فسار به إلى أبيه. ووصفه صاحب النجوم الزاهرة بأنه كان أحد أمراء بني أمية، وكان على طلائع مسلمة بن عبد الملك بن مروان في غزواته، وكان ينزل بأنطاكية، وشهد عدة حروب وأوطأ الروم خوفًا وذلًّا عبد الله البطال (توفي عام 740م الموافق 122هـ) مجاهد مسلم ظهر في الحروب الإسلامية البيزنطية في بدايات القرن الثامن الميلادي، شارك في عدة حملات قادتها الدولة الأموية ضد الإمبراطورية البيزنطية. الحقائق التاريخية حول سيرته نادرة، لكنها نمت بعد وفاته وأصبح أسطورة شعبية، وأصبح شخصية شهيرة بارزة في الملاحم الأدبية التركية والعربية كبطال غازي. اختلف المؤرخون في نسبه، فقيل: هو أبو محمد البطال. وقيل: أبو يحيى، واسمه عبد الله. نشأته ونسبه ــــــــــــــ هو عبد الله بن عمرو بن علقمة البطّال الملقب بالأنطاكي لأن مقرّه كان بأنطاكية، أحد القواد العرب الشجعان المشهورين في العصر الأموي، وأحد رؤساء عرب الجزيرة الذين كانوا يغزون ثغور الروم، ولا تذكر كتب التاريخ سنة مولده وإن كان أكثرها يحدد سنة وفاته، واختلف المؤرخون في كنيته فهو أبو محمد وأبو يحيى أو أبو الحسين، وإن لم يختلفوا في ذكر سيرته والأحداث التي مرّت معه لا يعرف عن نشأته وحياته المبكرة شيء، ويدعى "عبد الله أبو الحسين" (وفي روايات مختلفة: أبو محمد، أبو يحيى) الانطاكي، نسبة إلى مدينة أنطاكية وغير أنطاكية مدينة دمشق، وذكر ابن حجر العسقلاني أنه وعبد الوهاب بن بخت من موالي بني أمية. ونسبته "الأنطاكي" بدلاً من أن ينسب لقبيلة ما ويوحي هذا أنه ليس عربي النشأة. اقترح خالد يحيى بلانكنشب بأنه ربما يكون نفس الشخص "عمرو" الذي سجل اسمه المؤرخ البيزنطي تيوفان المعرف في حملة نيقية 727م، وبالتالي "عمرو" ربما يكون اسمه الحقيقي أو اسم والده (ويكون:عمرو بن عبد الله أو عبد الله بن عمرو) وربما يكون اسم عبد الله تشريفي. سيرته ـــــــــ يُعتقد أن البطال أشترك في في حصار القسطنطينية (717-718). وفقاً للمصادر التاريخية (المؤرخان: اليعقوبي ومحمد بن جرير الطبري) ظهر البطال لأول مرة 727م، في واحدة من الغارات السنوية ضد الأناضول البيزنطي، قاد هذه الحملة معاوية بن هشام ابن الخليفة هشام بن عبد الملك (حكم من 723م – 743م). قاد البطَال طليعة الجيش وسيطر على مدينة خنجره، قبل أن يدخل الجيش في حصار نيقية (727) الغير ناجح. يعتبر بلانكنشب أن سيطرة البطال على خنجره تعتبر واحدة من أعظم نجاحات الأمويين ضد البيزنطيين في هذه الفترة، إلى جانب سيطرة مسلمة بن عبد الملك على قيصرية في 726م. قاد البطال غارة أخرى لا يُعرف عنها الكثير في (731م – 732م). ولم تكن موفقة وذُكر أنه توفي فيها الأمير العربي عبد الوهاب بن بخت. في العام التالي 115 هـ تولى البطال قيادة جزء في حملة إلى جانب معاوية بن هشام ودخلوا أفيون قره حصار في فريجيا. حاول الجيش البيزنطي التصدي للمسلمين، ولكن البطال هزمهم، وأسر قسطنطين وذلك حسب المصادر الإسلامية وتقول المصادر البيزنطية أن الذي أسره البطال هو شخص كان يدعي العرش البيزنطي. التراث ـــــــــــ يــــــــــعتبر بلانكنشب أن سيطرة البطال على خنجره تعتبر واحدة من أعظم نجاحات الأمويين ضد البيزنطيين في هذه الفترة، إلى جانب سيطرة مسلمة بن عبد الملك على قيصرية في 726م. قاد البطال غارة أخرى لا يُعرف عنها الكثير في (731م – 732م). ولم تكن موفقة وذُكر أنه توفي فيها الأمير العربي عبد الوهاب بن بخت. في العام التالي 115 هـ تولى البطال قيادة جزء في حملة إلى جانب معاوية بن هشام ودخلوا أفيون قره حصار في فريجيا. حاول الجيش البيزنطي التصدي للمسلمين، ولكن البطال هزمهم، وأسر قسطنطين وذلك حسب المصادر الإسلامية وتقول المصادر البيزنطية أن الذي أسره البطال هو شخص كان يدعي العرش البيزنطي. د منه بالضرب ورده إلى القسطنطينية؛ وعبد الله البطال، وعمرو بن عبد الله، وعلي بن يحيى الأرمني...» ذكر ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق الكثير من الروايات حول البطال منها: ذكر البيزنطيين اسمه لتخويف الأطفال، ودخوله عمورية وتظاهره بأنه رسول وكشفه خططهم، ودخوله دير فيه نسوة (تزوج احداهن لاحقاً) وقتله أحد البطارقة. ومقابلته الإمبراطو ليو ووفاته وطلبه منه أن يدفنه من معه من أسرى المسلمين، ففعل الملك. ومن ناحية أخرى بداية بابن عساكر ومعاصره السموأل بن يحيى المغربي انتقد الكثير من المؤرخين المسلمين مختلف الافتراءات أدخلت في حسابات حياة البطال. ويقول الذهبي: «إن القُصّاص حكوا عنه ـ أي البطال ـ من الخرافات ما لا يليق». وقال ابن كثير بعد حديثه عن البطال: «وأما ما يذكر العامة عن البطّال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة (ذات الهمّة) والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وجهل وتخبط فاحش». وقال ابن كثير بعد أن لخص سيرته في كتابة البداية والنهاية: «وأما ما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة، والبطال، والأمير عبد الوهاب، والقاضي عقبة فكذب وافتراء، ووضع بارد، وجهل كبير، وتخبيط فاحش، لا يروج ذلك إلا على غبي أو جاهل ردي، كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسي المكذوبة، وكذلك سيرة البكري، والدنف وغير ذلك، والكذب المفتعل في سيرة البكري أشد إثما وأعظم جرما من غيرها; لأن واضعها يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.» أعمال عنه ـــــــــــ استغل اسم عبد الله البطال في عملين الأول في اللغة العربية (سيرة ذات الهمة والبطّال) أو دلهمه والثاني في الملحمة الأدبية التركية الشعبية سيد بطال غازي. وعلى الرغم من أن كلاهما تم تأليفهما في القرن الثاني عشر ورسما على تقاليد عربية، فهما يعرضان فروقات هامة، فالرواية التركية تتضمن العديد من التأثيرات الفارسية والتركية، بما فيها العناصر الخارقة من التقاليد الشعبية أو زخارف من الشاهنامه ورواية أبو مسلم.كل من الروايات تضع البطّال في منتصف القرن التاسع الميلادي وتربطه بملطية وأميرها عمر الأقطع (المتوفى:863م) ونتيجة لذلك أصبح مرتبطاً بشكل خاص مع مدينة ملاطية وما حولها. أخذ الصحصاح بطل قبيلة بني كلاب دور البطّال الخاص في الحروب الأموية ضد البيزنطيين في دلهمه. وفي هذه الروايات ظهر البطال كبطل إسلامي وأصبح يشبه فيها أوديسيوس (المشهور بالمكر والدهاء) في الدهاء.واعتبره الأتراك رمزاً بارزاً في فتوحاتهم للأناضول بعد فتح ملطية 1102 على يد الدانشمنديين. عُمل على قصصه (بالتركية:Battalname) في عهد السلاجقة والعثمانيين، وأصبح موضوعاً لمجموعة كبيرة للعديد من الحكايات الشعبية. ويرفع العلاهيون والبكتاشية من قدره ويسمونه بالسيد، وللبطال مزار في مدينة سيد غازي-التي سميت باسمه-، ويأتيه الزوار من مناطق بعيدة مثل آسيا الوسطى حتى أوائل القرن 20 عبدالله بن عمرو بن علقمة البطّال الملقب بالأنطاكي لأن مقرّه كان بأنطاكية، أحد القواد العرب الشجعان المشهورين في العصر الأموي، وأحد رؤساء عرب الجزيرة الذين كانوا يغزون ثغور الروم، ولا تذكر كتب التاريخ سنة مولده وإن كان أكثرها يحدد سنة وفاته واختلف المؤرخون في كنيته فهو أبو محمد وأبو يحيى أو أبو الحسين، وإن لم يختلفوا في ذكر سيرته والأحداث التي مرّت معه. رُوي أن الخليفة الأموي عبد الملك حين عقد لابنه مَسْلَمة على غزو بلاد الروم ولّى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطّال، وقال لابنه: «سيّره على طلائعك ومره فليعسّ بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع» فكان تحت إمرة البطّال عشرة آلاف من المحاربين جعلهم ترساً ما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم. شهد البطّال عدة حروب، وأوطأ الروم خوفاً وذلة، فكانت الروم تهابه هيبةً شديدة. وتذكر قصص التاريخ عن شجاعته وجرأته ومغامراته في بلاد الروم حكايا غريبة لا تكاد تُصَدّق، إذ كان البطال ذا قلبٍ جريء لا يهاب، وكان يقول: «الشجاعة صبر ساعة»، وكان يساعده في ذلك معرفة بلغة الروم فقد كان يتكلمها كأحد أبنائها. واشتهر أمره بين الروم فهابوه حتى صارت الأمهات الروميات يخفن أطفالهن به، ويروى أن رجالاً من جيش المسلمين توغلوا في أرض الروم ولم تعرف أخبارهم، فسار البطّال وحيداً إلى أرض الروم لإنقاذهم، ووقف على باب عمورية وادّعى أنه سياف ملك الروم ورسوله إلى بطريق المدينة ففتحت له الأبواب، ولما وصل إلى البطريق طلب إليه أن يخرج من في المجلس، فلما فعل كشف البطّال عن شخصيته وهدد البطريق بالسيف وأمره أن يُصدقه القول في أمر السرية المسلمة، فأخبره البطريق أنهم توغلوا في البلاد وملؤوا أيديهم بالغنائم، وسمى له الوادي الذي وصلوا إليه، فغمد البطّال سيفه وطلب الأمان ثم تناول طعاماً، ولمّا خرج من عند البطريق لم يكشف هذا عن شخصية البطّال، بل أمر الناس أن يفسحوا الطريق لرسول الملك، واستطاع البطّال أن يصل إلى السرية ويخرج بأفرادها بما غنموا إلى منطقة لاتتبع الروم، وتزوج إحدى الروميات السبيات وهي أم أولاده، وكان أبوها بطريقاً كبيراً. كان البطال شديد الإيمان، يسأل دائماً الله الحج ثم الشهادة، ولم يتمكن من الحج إلا في السنة التي استشهد فيها. ويروى أن الملك ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية لغزو بلاد العرب ...فكتب بذلك البطريق - أبو زوجة البطال إلى صهره. فخبّر البطّال بذلك عساكر المسلمين، وأشار على القائد مالك بن شبيب أن يتحصن الجنود في حرّان، وهي إحدى مدن الروم المخرّبة وذلك حتى يصل قائد الخليفة سليمان بن هشام، ولكن مالكاً بن شبيب أبى عليه ذلك ودهم جيش الروم، فاضطر البطّال إلى خوض المعركة مع الجيش بعد أن وصّى ألا يلفظ أحد اسمه، واتفق أن ناداه أحدهم خطأ فعرفه الروم، وحملوا عليه، وقتلوا من حوله، وانكسر المسلمون، وقُتل مالك بن شبيب فيمن قُتل، ولما مالت الشمس رأى الملك أن يرجع إلى المعسكر ليدهم من تبقى من المسلمين في يومه التالي، وهنا أمر البطّال منادياً يدعو الناس إلى الذهاب إلى قرية سنّادة ليتحصنوا فيها على ألا يتركوا جريحاً أو ضعيفاً في ميدان المعركة، وأوهم الجيش أنه سينسحب معهم، وبقي في قلّة في ميدان المعركة ليؤخر وصول جيش الروم. ولما نشب القتال في اليوم التالي استبسل البطال حتى جرح ووقع، فقال له الملك: أبا يحيى كيف رأيت؟ قال: ما رأيت كذلك، الأبطال تَقْتُل وتُقتَل» فأمر الملك ليون الذي كان معجباً بشجاعة البطّال أن يؤتى له بالأطباء، فأخبروه أن جراحه مميتة، فسأل الملك البطال: «هل من حاجة؟» قال: نعم، تأمر من لديكم من أسرى المسلمين بتكفيني والصلاة عليّ ودفني وتخلّي سبيل من ثبت عندي، ففعل الملك،وكانت جيوش الخليفة قد وصلت، فسار ليون إلى القسطنطينية وتحصّن بها. وقد اقترن اسم البطّال باسم صديق له في التاريخ وفي القصة الشعبية التي وردت على لسان الناس بعد ذلك، وهو أبو عبيدة عبد الوهاب بن بخت مولى آل مروان، وقد وصف بأنه كان كثير الحج والعمرة والغزو، وأكثر الروايات التاريخية تجعل موت البطّال في السنة ذاتها التي مات فيها صديقه أبو عبيدة. البطّال في السيرة الشعبية: في عصر الدول المتتابعة زاد ميل الشعب إلى الأساطير البطولية، وظهر أدب السيرة الشعبية الذي يمثل الحياة التي يتمناها الناس والتي يسودها العدل والصدق وينتصر فيها العرب وما يؤمنون به على أعدائهم أكانوا من أولئك في الداخل الذين يصانعون العدو أم من أعداء البلاد في الخارج. وقد حدا ذلك القصاصين إلى التطلع إلى التاريخ يستمدون منه شخصيات الأبطال ذات الصلة بالواقع، ثم يمزجون بين الأسطورة والتاريخ. وقد استهوت سيرة البطّال وصديقه عبد الوهاب وشجاعتهما عامة الناس الذين يولعون عادة بالغرائب والبطولات فيما يخص الرجال الذين أوتوا من القدرات ما يفتقر إليه البشر العاديون، وقد ورد ذكر لقصة البطال الشعبية عند المقري وفي تاريخ الذهبي الذي يقول: »إن القُصّاص حكوا عنه ـ أي البطال ـ من الخرافات ما لا يليق . أما ابن كثير فيورد بعد حديثه عن البطال القائد الأموي: وأما ما يذكر العامة عن البطّال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة (ذات الهمّة) والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وجهل وتخبط فاحش». وقد حملت القصة الشعبية عن البطال اسمه في البدء ثم حوّل القصاصون العنوان إلى ذات الهمة. ومع موقف المؤرخين من الأدب الشعبي عامة فقد انتشرت بين طبقات الشعب السير التي تتحدث عن الأبطال. وقد استهوت سيرة البطال الأتراك وهم الذين حاربوا الروم وفتحوا القسطنطينية فظهر بينهم بطل اسمه (سيد بطّال) وقبره في سيد غازي جنوب إسكي شهر، وقد ألفت حول حياته سيرة شعبية تختلف عن السيرة الشعبية العربية درسها المستشرق فليشر. ويبدو أن هذا اللقب حمله آخر ورد اسمه في كتب التاريخ المتأخرة كتاريخ الجنابي واسمه أبو محمد جعفر بن السلطان حسين بن ربيع بن عباس الهاشمي ذكروا أنه ولد بملطية وكان على قيد الحياة سنة 1000هـ ويبدو أن هؤلاء المؤرخين تأثروا بالقصة الشعبية التركية سيد بطّال وفاته ـــــــــ لقد تمنى عبد الله البطال الحج والشهادة راجيًا من الله أن ينالهما وشاءت إرادة الله أن يكتب له الحج والشهادة في عام واحد فبعد إقفاله من الحج عاد إلى الثغور؛ ليكون في طليعة المجاهدين وليفوز بالشهادة التي طالما تمناها، وخاض من أجلها كثير من الحروب. وسبب شهادته -كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية- أن ليون ملك القسطنطينية قد خرج في ألف فارس يريد المسلمين فأرسل البطريق إلى البطال، وكان البطال متزوج بابنة البطريق يخبره بخروج ليون، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، وكان الأمير مالك بن شبيب، وقال له: المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالاً شديدًا والأبطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفًا عليه من الروم، فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطًا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها، وأصبح ليون فوقف على مكان المعركة فإذا البطال بآخر رمق، فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الأبطال، فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه فإذا جراحه قد وصلت إلى مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يلوا غسلي والصلاة عليَّ ودفني. ففعل الملك ذلك، وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، وانطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة والحصار إذ جاءتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هاربًا راجعًا إلى بلاده، قبحه الله، فدخل القسطنطينية وتحصن بها. قال خليفة بن خياط: كانت وفاة البطال ومقتله بأرض الروم في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقال ابن جرير: في سنة ثنتين وعشرين ومائة. وقال ابن حسان الزيادي: قتل في سنة ثلاث عشرة ومائة، قيل وقد قاله غيره وإنه قتل هو والأمير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشرة ومائة كما ذكرنا ذلك فالله أعلم، ولكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته إلا في هذه السنة، فالله أعلم قال رجل : عقد مسلمة للبطال على عشرة آلاف ، وجعلهم يزكا وعن ابن مروان عن البطال ، قال : اتفق لي أنا أتينا قرية لنغير ، فإذا بيت فيه سراج وصغير يبكي ، فقالت أمه : اسكت ، أو لأدفعنك إلى البطال فبكى فأخذته من سريره ، وقالت : خذه يا بطال فقلت : هاته . وجرت له أعاجيب وفي الآخر أصبح في معركة مثخونا وبه رمق فجاء الملك ليون ، فقال أبا يحيى : كيف رأيت ؟ قال : وما رأيت ؟ كذلك الأبطال تقتل وتقتل ، فقال : علي بالأطباء ، فأتوا فوجدوه قد أنفذت مقاتله ، فقال : هل لك حاجة ؟ قال : تأمر من يثبت معي بولايتي وكفني والصلاة علي ثم تطلقهم ، ففعل . قتل سنة اثنتي عشرة ، وقيل : سنة ثلاث عشرة ومائة . ظهر البطال آخر مرة في حملة كبيرة فيها عشرات الآلاف من الرجال من الجيش الأموي ضد البيزنطيين إلى جانب مع مالك بن شعيب، نائب حاكم ملطية، قاد البطال قوة من الفرسان قوامها 20000 في حين سليمان بن هشام قاد القوة الرئيسية التي تقف وراءها. وصلت قوة البطال وقوة مالك حتى أكرونيون المعروفة اليوم بأفيون قره حصار، ولكن تواجه وهُزم من قبل البيزنطيين بقيادة الإمبراطور ليو (الحاكم من: 717م - 741م) وولده قسطنطين في معركة أفيون قره حصار. لقى فيها جميع القواد المسلمين وثلثي الجيش حتفهم.