الهجره قصة بناء دولة النبي صل الله عليه وسلم د. صالح العطوان الحيالي الحيالي

الهجرة.. قصة بناء دولة النبي صلى الله عليه وسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي - العراق - 7-6-2018
التاريخ ذاكرة الأمم والشعوب، والأمة التي لا تعرف تاريخها ولا تدرسه كالإنسان فاقد الذاكرة الذي لا يعرف لنفسه ماضيا ولا كنها، من هو وماذا يصنع وأين وكيف ولماذا يعيش؟.. فاقد الذاكرة إنسان تائه على قارعة الطريق.. وكذلك الأمم والشعوب.. من أجل هذا كانت دراسة التاريخ هي إنعاش ذاكرة الأمة لمعرفة هويتها ورسالتها وهدفها في الحياة.. وكانت المناسبات التاريخية المختلفة فرصة ذهبية لاستعادة الذاكرة التي تصنع الحاضر والمستقبل في ضوء معرفة يقينية بالذات والرسالة وغاية الوجود..وفي هذه الأثناء تهل علينا ذكرى الهجرة العطرة نسمات تحيي قلوبا طال رقادها تحت ركام أعباء الحياة اليومية وتفاصيلها المضنية بأهازيج (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ….. وجب الشكر علينا ما دعا لله داع)
وعندما تهل الذكرى أو تتجدد نجد أنفسنا أمام آفاق ورؤى جديدة متجددة نستلهم منها الجديد من قراءة التاريخ لاسيما السيرة النبوية الشريفة.
من وحي دروس الهجرة النبوية الشريفة نتساءل سؤالا مهما:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لماذا كانت الهجرة النبوية؟ لماذا هاجر النبي- صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه من مكة إلى المدينة؟ سؤالا ينقلنا بالبديهة إلى سؤال عن طبيعة هذا الدين وخصائصه.. بمعرفة طبيعة قريش التي خاصمت الإسلام في مكة واضطرته إلى القيام بهذه الهجرة.. المسألة في تصورنا أعمق بكثير من فكرة الفرار بالنفس أو بالدين الجديد من أذى قريش واضطهادهم.. فلو كان الأمر يتعلق بالنجاة بالنفس، لكان الأيسر والأوفق كتمان العقيدة والإيمان في النفوس صدا للأذى ودفعا للعدوان وإيثارا للسلامة والسلام.. إن معركة قريش مع الإسلام ورسول الإسلام لم تكن معركة مع عقيدة إيمانية جديدة أو مخالفة لما تعتقده قريش، وإنما كانت حربا على دعوة لا يمكن أن تكتمل أركانها إلا بتكوين مجتمع جديد ودولة متكاملة الأركان ومنهج جديد للحياة يقره الإسلام.. إن قريش التي كانت وثنية الاعتقاد الديني كانت في ذات الوقت علمانية المنهج السياسي والسلوك الاجتماعي.. كانت قريش تؤمن بتعدد الأديان وحرية العقيدة.. وتسمح لأبنائها بالتدين بأديان أخرى لا ترتبط بوثنيتها، وحرية ممارسة عباداتهم الخاصة، دون أن تمسهم بسوء شريطة ألا يجاهروا بالدعوة إلى ما يؤمنون به، أو يخلطوا بين ما يؤمنون به في ضمائرهم وما يدينون به في نفوسهم، وما يتعبدون لربهم به، وبين شؤون الحياة.. ولذا يحدثنا التاريخ عن أديان أخرى عاشت في الجزيرة العربية، بل عاشت في مكة نفسها وبين أحضان قريش، ولم يتعرض لها القرشيون بأذى.. فقريش التي كانت تمارس حرية التدين بشرط عدم وصول الدين إلى منصة الحكم والتوجيه كانت تسمح بوجود أمثال ورقة بن نوفل الذي كان على ديانة أهل الكتاب، وكانوا يعرفون الصابئين أو الذين يتركون عبادة الأوثان لإتباعهم دين إبراهيم عليه السلام، إن محمدا صلى الله عليه وسلم أقام بين مشركي قريش أربعين عاما من عمره لم يسجد فيها مرة لوثن أو صنم، ومع ذلك لم يتعرض له أحد منهم بلوم أو أذى، بل كان يحظى رغم مخالفته دينهم وعبادتهم بمكانة رفيعة جعلتهم يلقبونه بالأمين، ويأتمنونه على ودائعهم، ويحكمونه في قضاياهم المصيرية مثلما حدث في واقعة بناء الكعبة.. بل إن مشركي قريش بقيادة أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة، كانوا يسمحون للمسلمين بممارسة عبادتهم شريطة عدم المجاهرة بذلك، كما تدل على ذلك قصة أبي بكر الصديق مع ابن الدغنة لما دخل في جواره، وكان يجاهر بصلاته في فناء داره في جوف الليل، وكان رجلا رقيقا يبكي إذا قرأ القرآن فيجتمع عليه العبيد والصبيان والنساء، فمشى رجل من قريش إلى بن الدغنه- وكان قد أجاره حين اعتزم الهجرة إلى الحبشة- فقالوا له: يا ابن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، فأته فمره أن يدخل بيته فليفعل فيه ما يشاء. ، لم تكن معركة قريش إذن مع قريش من اجل صلوات تؤدى في البيوت أو المساجد، وإنما كانت حربهم ضد أن يُسقط حكم محمد صلى الله عليه وسلم حكم طواغيت قريش!
في ضوء ما تقدم نستطيع أن نفهم الهجرة النبوية الشريفة ذلك الحدث الذي غير مجرى التاريخ الإنساني كله بإنشاء دولة النبي التي أسست بسماتها للدولة المدنية الحديثة، فلم تكن الهجرة مجرد نجاة بالنفس من الملاحقة والتعذيب والملاحقة ولكنها كانت اكبر من قضية الإنسان ذاته..
(إن الإسلام جاء لكي يعبر عن وجوده في عالمنا من خلال دوائر ثلاث، يتداخل بعضها في بعض، وتتسع صوب الخارج لكي تشمل مزيدا من المساحات، دائرة الإنسان، فالدولة، فالحضارة، ولقد اجتاز الإسلام في مكة دائرة الإنسان، ثم ما لبثت العوائق السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية، أن صدته عن المضي في الطريق صوب الدائرة الثانية حيث الدولة، لأنه بلا دولة ستظل دائرة الإنسان التي هي أشبه بنواة لا يحميها جدار، ستظل مفتوحة على الخارج المضاد بكل أثقاله وضغوطه وإمكاناته المادية والروحية، ولن يستطيع الإنسان (الفرد) أو (الجماعة) التي لا تحميها (دولة) أن يمارسا مهمتهما حتى النهاية، سيما إذا كانت قيمهما وأخلاقيتهما تمثلان رفضا حاسما لقيم الواقع الخارجي والتجربة المعاشة، ولابد إذن من إيجاد الأرضية الصالحة التي يتحرك عليها المسلم، قبل أن تسحقه الظروف الخارجية أو تنحرف به عن الطريق، وليست هذه الأرضية سوى الدائرة الثانية، وليست هذه الدائرة سوى الدولة التي كان على المسلمين أن يقيموها وإلا ضاعوا!!
وهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم تبدأ منذ اللحظات التي أدرك فيها أن مكة لا تصلح لقيام الدولة وأن واديها الذي تحاصره الجبال، وكعبتها التي تعج بالأوثان، لا يمكن أن تكون الوطن، ومن ثم راح الرسول يجاهد من أجل الهجرة التي تمنح المسلمين دولة ووطنا، وتحيط كيانهم الغض بسياج من إمكانيات القوة والتنظيم والأرض) .من هذا المفهوم ندرك أن هجرة النبي كانت أساسا لإقامة الدولة، لم تكن الهجرة لحماية الإنسان الفرد كجسد بقدر ما كانت محاولة لحماية قيم وروح وإيمان هذا الإنسان من خلال حماية دائرته النواة بالدائرتين الأوسع والأقوى، وهما دائرتي الدولة ثم الحضارة.. لم يكن ممكنا أن يصنع الإسلام حضارة إنسانية توجهها الربانية متمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، دون وجود الحلقة الوسيطة وهي الدولة!
كيف تتجسد قيم الإسلام مثل العدل والمؤاخاة والحق والحرية، وحرية العقيدة، ـوممارسة العبادات الدينية في حرية وأمن واطمئنان، كيف تتحقق قيمة المساواة بين الإنسان وأخوه الإنسان، دون أن يتم ذلك كله من خلال مجتمع أو أمة تحكمه دولة؟!
لو كان الإسلام كما يحاول أن يصوره بعض الذين يقيسونه على ديانات ومذاهب روحية بحتة، إنما جاء لينظم العلاقة بين العبد وربه، وأن الدين ما هو إلا طقوس تعبدية تؤدى في المسجد وليس لشريعته سلطة أو علاقة بالحياة، فما حاجة المسلمين ونبيهم إلى الهجرة إذن؟
هل هاجر النبي- صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه من أجل ممارسة الصلاة أو الصيام كشعائر تعبدية وفقط؟.. إن هذا فهما لم يفهمه حتى مشركي قريش أنفسهم!
إن قريشا كانت وثنية الدين علمانية المنهج، وهل تعني العلمانية سوى أن تقتصر علاقة المسلم بربه على المساجد أو البيوت، فيعبد الإنسان ربه ما شاء الله له أن يعبده دون أن يكون له علاقة بالحياة؟
فليس في الدعوة إلى العلمانية المعاصرة أي تقدم أو حداثة، فلقد دعا مشركي قريش إلى مثلها قبل أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان عندما قالوا لابن الدغنة: فمره أن يدخل بيته فليفعل فيه ما يشاء!
أما رد الإسلام على هذه الدعوة العلمانية التي تؤمن حرية العبادة في المعابد فقط، فكان رفضا قاطعا، هذا الرفض الذي رفع لواءه أبو بكر في حواره مع مجيره بن الدغنة، فمشى بن الدغنة إليه فقال له: يا أبا بكر إني لم أجرك لتؤذي قومك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت، قال أبو بكر: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟قال: فاردد علي جواري، قال: قد رددته عليك .
لقد كانت الهجرة النبوية ضرورة لا مناص منها لإقامة الدولة لاستكمال تنفيذ شرائع الإسلام، وإلا كيف كان يمكن أن تتنزل السور المدنية في القرآن الكريم بما تحمله من شعائر وتشريعات، وما تتضمنه من قوانين وأحكام تحكم الفرد والمجتمع وتحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والدولة والدول الخارجية؟
إن الذين يظنون أن الإسلام دين بلا مجتمع ولا دولة، يهدرون قيمة الهجرة النبوية الشريفة، ويهدرون قبل ذلك كل القرآن المدني، ويكتفون بالمرحلة المكية فقط! .
ولقد كانت الهجرة النبوية الشريفة أيضا عمل الرسول صلى الله عليه وسلم للخروج من مأزق الدعوة في مكة المكرمة، فلم يكن معنى الثبات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، الجمود أو البقاء في النفق المظلم إلى ما لا نهاية، بل الثبات هو الثبات على الإيمان والعقيدة، إنما عملية اختيار أرض الدولة وتنشئتها وبنائها يحتاج إلى واقعية إيجابية ومرونة وعمل سياسي لا ينقطع.
(والرسول صلى الله عليه وسلم الذي علمتنا سيرته الواقعية الإيجابية التي كان يتمتع بها، والحرص على الطاقة الإنسانية ألا تتبدد في غير مواضعها، سرعان ما يتحرك صوب الخروج إلى مكان جديد يصلح لصياغة الطاقات الإسلامية في إطار دولة تأخذ على عاتقها الاستمرار في المهمة بخطى أوسع، وإمكانات أعظم بكثير من إمكانات أفراد تتناهبهم شرور الوثنية من الداخل وتضغط عليهم قيم الوثنية من الخارج ويستنزف طاقاتهم البناءة اضطهاد قريش، بدلا من أن تمضي هذه الطاقات في طريقها المرسوم)..
جنود كانوا نعم الوفاء والاخلاص والصدق .. على طريق الهجرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنَّ الهجْرة من مكَّة إلى المدينة تعدُّ من الأحداث الفاصلة في تاريخ الدَّعوة الإسلاميَّة، فهِي نهايةٌ لعهْد تعرَّض فيه المسلِمون الأوَّلون لألْوان الاضطِهاد والأذى، فما ضعفوا وما استكانوا، وبدايةٌ لعهْد جديد نصَرَ الله جلَّ جلالُه فيه الإسلامَ على أعدائِه نصرًا عزيزًا مؤزَّرًا، حيث خاضت القلَّة المؤمنة حروبًا عديدة ضدَّ الكثْرة المشْرِكة، فما أجْدت كثْرة المشْركين وما حالت قلَّة المؤمنين بيْنهم وبين الظُّهور على أعدائِهم، لتُصْبِح كلِمة الله تَبارك وتعالى هي العُلْيا، وكلمة الَّذين كفروا السُّفْلى.
* اختيار الرَّسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكْرٍ الصدّيق رضي الله عنه:
اختار المصطفى صلى الله عليه وسلم لمُرافقته في رحلتِه الكبرى أبا بكْرٍ الصدّيق رضي الله عنه دون سائِر أصحابِه فكان اختيارًا موفَّقًا؛ لأنَّ أبا بكر رضي الله عنه أصْلح الصَّحابة للقيام بهذه الاختِيار النَّبوي الكريم.
أبْلغ الرَّسول صلى الله عليه وسلم أمْر الهجرة إلى أبي بكر رضي الله عنه تلميحًا لا تصريحًا، فلمَّا أذن لأصحابه أن يُهاجروا من مكَّة إلى المدينة طلب أبو بكر رضي الله عنه منه أن يَأْذن له في الهجرة، فأمْهله صلى الله عليه وسلم قائِلًا: «لا تعجلْ يا أبا بكر؛ لعلَّ الله يجعل لك صاحبًا».
وفهِم الصدِّيق رضي الله عنه من هذه الجُملة أنَّه قد يصاحب الرَّسول صلى الله عليه وسلم في هجرته، فاستعدَّ وجهَّز راحلتَين تنقلانِه هو والرَّسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلمَّا أذن الله تعالى للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالهجرة وأخبر أبا بكر رضي الله عنه بذلك، فاضت دموعُ الصدِّيق من فرط السُّرور، وأخذ يقول: الصحبةَ يا رسول الله، الصحبةَ يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «الصُّحبة يا أبا بكر»، فبكى أبو بكر من شدَّة الفرح، وخرجا سرًّا في ظلام الليل إلى غار ثور.
ولقد جدَّ الكفَّار في البحث عن محمَّد صلى الله عليه وسلم وصاحِبه رضي الله عنه إلى أن وقفوا على باب الغار، فقلق أبو بكر خوفًا على حياة الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقال له: لو أنَّ أحدَهم نظر إلى قدميْه لأبصرنا، فقال النَّبيُّ العظيم محمَّد صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكْرٍ، لا تحزَنْ إنَّ الله معنا يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما».
فهدأتْ نفس أبي بكر رضي الله عنه وعادتْ إلى قلبه الطُّمَأنينة، وقال الله جلَّ ثناؤه: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كانت المؤامرة الَّتي دبَّرها الكفَّار أن تقوم مَجموعة من قريْش تتألَّف من كلِّ عشيرة فيها، بِحيث تنتدب عنها شابًّا فتيًّا، ويعمد هؤلاء إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم فيضرِبونه ضربة رجُل واحد، وبذلك يتوزَّع دمه في جميع العشائر، فلا يقدِر بنو عبد مناف على حرْبِهم، فلمَّا كانت اللَّيلة الَّتي عزموا فيها على تنفيذ المؤامرة تربَّصوا قرب داره، منتظرين الفُرْصة الملائمة لاغتياله.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينام على فراشه قائلا: «نم على فراشي وتسجَّ ببردي هذه الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنَّه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم».
ودعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اللهَ عزَّ وجلَّ أن يعمي أبصارهم، فخرج صلى الله عليه وسلم وقد غشيهم النوم، فوضع على رءوسِهم التراب؛ {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9].
قال المرحوم عباس العقَّاد في تحليل شخصية الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (آداب الفروسية هي مفتاح هذه الشخصيَّة النبيلة، كانت القوَّة طبعًا في علي فطر عليه، وأدبًا من آداب الأسرة الهاشمية نشأ فيه، وعادة من عادات الفروسيَّة العمليَّة التي يتعوَّدها كل فارس شجاع).
عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكان دوْرُه هو استطلاعَ أخبار قريْش بمكَّة، والوقوف على ردِّ الفِعْل الَّذي أحدثه خروجُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سرًّا، وما عسى أن يدبِّرَه زعماؤها لوقْف مسيرته؛ وبذلك يكون المصطفى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه على بيِّنة ممَّا يُحاك خلْفَه من مؤامرات، فيستطيع أن يتَّقيها، ويبلغ مأمنه في طَيْبة (المدينة).
أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما:
ــــــــــــــــــــــــــــــ وكان دوْرها رضي الله عنها في الهجرة أن تأتِي النبيَّ صلى الله عليه وسلم وصاحبَه رضي الله عنه بالماء والزَّاد وهُما في الغار، وظلَّت رضي الله عنْها على ذلك ثلاث ليال مُتعاقبة، تقتحِم الصَّحراء الموحِشة في رهبة الظَّلام، وهي صغيرة، ولا تبالي العيون والأرصاد التي تبعثها قريْش في الطَّريق من مكَّة إلى المدينة؛ لتظفر بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم.
ولمَّا همَّ الصَّاحبان بالرَّحيل إلى المدينة جاءتْهما أسماء رضِي الله عنها بِما يَحتاجان إليه في رحلتهما من زاد وماء، وهمَّت بتعليقه في رحل البعير، فلم تجِد رباطًا، فحلَّت نطاقها وشقَّته نصفين، ربطت بأحَدِهما الزَّاد، وانتطقت بالآخَر، فقال لها المصْطفى صلى الله عليه وسلم: «أنتِ ونِطاقاك في الجنَّة»، وسمِّيت بعد ذلك: بـ (ذات النطاقين).
عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولقد شاركت أسماءَ دوْرَها الخالد في الهجرة أختُها عائشة رضي الله عنها كما ترْوي معْظم كتب السيرة، وكانت لا تزال طِفلة دون العاشرة، فخاضت بذلك تَجربة أكبرَ من سنِّها الصَّغيرة، ممَّا أكْسبها نضوجًا فكريًّا ونفسيًّا مبكِّرًا، أتاح لها القيام بأدْوار كُبرى في مستقبل حياتها، ولقد كان اقتِحام ابنتَي الصِّديق رضي الله عنْهما ظلمات البيداء حاملتَين لأبيهِما وصاحبِه رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتَهما من الماء والطَّعام، غير مباليتين بما قد يُصيبهما من أذى- بلاءً أي بلاء، وجهادًا أجلَّ جهاد.
عامر بن فهيرة رضي الله عنه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكانت مهمَّته في الهجرة مهمَّة مزْدوجة، أن يرعى غنَمَ أبي بكر رضي الله عنه نهارًا، فإذا أمسى قصد إلى الغار، واحتلب للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه وأن يتبع بالغنم مسار عبدالله بن أبي بكر بعد عوْدته من غار ثور إلى مكَّة، فيعفِّي على ما تركتْه أقدامه من آثار في رمال الصَّحراء، قوَّة إيمان وصدق عقيدة.
دليل الهجرة عبد الله بن أريقط:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنَّ اختيار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والصدِّيق رضي الله عنه لعبدالله بن أريقط الديْلمي (وهو رجُل من كفَّار قريش)؛ ليكون دليلَهما في الطَّريق إلى طَيبة (المدينة)- ليدلُّ على حسن الاختِيار؛ لأنَّ ابنَ أُريقط قد سلك بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وصاحبِه رضي الله عنه طريقَ الساحل، الأمر الَّذي لم يرِدْ على خاطر قريش؛ إذْ لم يكن طريقًا مألوفًا في ذلك الحين.
وثمَّة شرطان أساسيَّان للاستعانة بخبيرٍ من غير الملَّة:
أوَّلُهما: أن يكون موثوقًا به.
والثَّاني: أن يكون اختيارُه حتميًّا؛ بمعنى: ألا يوجد من أهل الملَّة مثيل له، وقد توافر هذان الشَّرطان في عبدالله بن أريقط؛ إذ يقول كتَّاب السير: إنَّه كان كافرًا لكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وصاحبَه رضي الله عنه وثِقا به، وكان دليلًا بالطُّرُق، وجاء في الحديث الصحيح: إنَّه كان هاديًا خرّيتًا؛ أي: حاذقًا، يعرف مضايق الطُّرق؛ لذلك دفَع الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم وصاحبُه رضي الله عنه راحلتيْهما إليْه، واستأْجراه ليدلَّهما إلى طيبة (المدينة).
د. صالح العطوان الحيالي - العراق

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصدقاء السوء وصفاتهم وطرق الابتعاد عنهم// بقلم الدكتور صالح العطوان الحيالي الحيالي

ابطال منسيون "ابو محمد عبدالله البطال " ــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق -28-12-2018 رأس الشجعان والأبطال أبو محمد عبد الله البطال ، وقيل : أبو يحيى من أعيان أمراء الشاميين . وكان شاليش الأمير مسلمة بن عبد الملك ( معنى شاليش معناه: الراية الكبيرة وعليها خَصلة من شعر الخيل، يرفعها حاملها في مقدمة الجيش.)، وكان مقره بأنطاكية ، أوطأ الروم خوفا وذلا . ولكن كذب عليه أشياء مستحيلة في سيرته الموضوعة . وعن عبد الملك بن مروان أنه أوصى مسلمة أن صير على طلائعك البطال ، ومره فليعس بالليل ، فإنه أمير شجاع مقدام . عُرف عن ابن بطال أنه من الأبطال المعدودين والشجعان الموصوفين، وقد نسجت حوله كثير من الأساطير، لكن ما صح عنه أن الروم كانت تخشاه وتخافه من فرط شجاعته. وفتح الله على يديه كثير من المدن الرومية؛ ففي سنة ثمان ومائة غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم، وبعث البطال على جيش كثيف، فافتتح جنجرة وغنم منها شيئًا كثيرًا. وفي أربع عشرة ومائة فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وعلى اليمنى سليمان بن هشام بن عبد الملك، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام: وفيها التقى عبد الله البطال وملك الروم المسمى فيهم قسطنطين، وهو ابن هرقل الأول الذي كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأسره البطال، فأرسله إلى سليمان بن هشام، فسار به إلى أبيه. ووصفه صاحب النجوم الزاهرة بأنه كان أحد أمراء بني أمية، وكان على طلائع مسلمة بن عبد الملك بن مروان في غزواته، وكان ينزل بأنطاكية، وشهد عدة حروب وأوطأ الروم خوفًا وذلًّا عبد الله البطال (توفي عام 740م الموافق 122هـ) مجاهد مسلم ظهر في الحروب الإسلامية البيزنطية في بدايات القرن الثامن الميلادي، شارك في عدة حملات قادتها الدولة الأموية ضد الإمبراطورية البيزنطية. الحقائق التاريخية حول سيرته نادرة، لكنها نمت بعد وفاته وأصبح أسطورة شعبية، وأصبح شخصية شهيرة بارزة في الملاحم الأدبية التركية والعربية كبطال غازي. اختلف المؤرخون في نسبه، فقيل: هو أبو محمد البطال. وقيل: أبو يحيى، واسمه عبد الله. نشأته ونسبه ــــــــــــــ هو عبد الله بن عمرو بن علقمة البطّال الملقب بالأنطاكي لأن مقرّه كان بأنطاكية، أحد القواد العرب الشجعان المشهورين في العصر الأموي، وأحد رؤساء عرب الجزيرة الذين كانوا يغزون ثغور الروم، ولا تذكر كتب التاريخ سنة مولده وإن كان أكثرها يحدد سنة وفاته، واختلف المؤرخون في كنيته فهو أبو محمد وأبو يحيى أو أبو الحسين، وإن لم يختلفوا في ذكر سيرته والأحداث التي مرّت معه لا يعرف عن نشأته وحياته المبكرة شيء، ويدعى "عبد الله أبو الحسين" (وفي روايات مختلفة: أبو محمد، أبو يحيى) الانطاكي، نسبة إلى مدينة أنطاكية وغير أنطاكية مدينة دمشق، وذكر ابن حجر العسقلاني أنه وعبد الوهاب بن بخت من موالي بني أمية. ونسبته "الأنطاكي" بدلاً من أن ينسب لقبيلة ما ويوحي هذا أنه ليس عربي النشأة. اقترح خالد يحيى بلانكنشب بأنه ربما يكون نفس الشخص "عمرو" الذي سجل اسمه المؤرخ البيزنطي تيوفان المعرف في حملة نيقية 727م، وبالتالي "عمرو" ربما يكون اسمه الحقيقي أو اسم والده (ويكون:عمرو بن عبد الله أو عبد الله بن عمرو) وربما يكون اسم عبد الله تشريفي. سيرته ـــــــــ يُعتقد أن البطال أشترك في في حصار القسطنطينية (717-718). وفقاً للمصادر التاريخية (المؤرخان: اليعقوبي ومحمد بن جرير الطبري) ظهر البطال لأول مرة 727م، في واحدة من الغارات السنوية ضد الأناضول البيزنطي، قاد هذه الحملة معاوية بن هشام ابن الخليفة هشام بن عبد الملك (حكم من 723م – 743م). قاد البطَال طليعة الجيش وسيطر على مدينة خنجره، قبل أن يدخل الجيش في حصار نيقية (727) الغير ناجح. يعتبر بلانكنشب أن سيطرة البطال على خنجره تعتبر واحدة من أعظم نجاحات الأمويين ضد البيزنطيين في هذه الفترة، إلى جانب سيطرة مسلمة بن عبد الملك على قيصرية في 726م. قاد البطال غارة أخرى لا يُعرف عنها الكثير في (731م – 732م). ولم تكن موفقة وذُكر أنه توفي فيها الأمير العربي عبد الوهاب بن بخت. في العام التالي 115 هـ تولى البطال قيادة جزء في حملة إلى جانب معاوية بن هشام ودخلوا أفيون قره حصار في فريجيا. حاول الجيش البيزنطي التصدي للمسلمين، ولكن البطال هزمهم، وأسر قسطنطين وذلك حسب المصادر الإسلامية وتقول المصادر البيزنطية أن الذي أسره البطال هو شخص كان يدعي العرش البيزنطي. التراث ـــــــــــ يــــــــــعتبر بلانكنشب أن سيطرة البطال على خنجره تعتبر واحدة من أعظم نجاحات الأمويين ضد البيزنطيين في هذه الفترة، إلى جانب سيطرة مسلمة بن عبد الملك على قيصرية في 726م. قاد البطال غارة أخرى لا يُعرف عنها الكثير في (731م – 732م). ولم تكن موفقة وذُكر أنه توفي فيها الأمير العربي عبد الوهاب بن بخت. في العام التالي 115 هـ تولى البطال قيادة جزء في حملة إلى جانب معاوية بن هشام ودخلوا أفيون قره حصار في فريجيا. حاول الجيش البيزنطي التصدي للمسلمين، ولكن البطال هزمهم، وأسر قسطنطين وذلك حسب المصادر الإسلامية وتقول المصادر البيزنطية أن الذي أسره البطال هو شخص كان يدعي العرش البيزنطي. د منه بالضرب ورده إلى القسطنطينية؛ وعبد الله البطال، وعمرو بن عبد الله، وعلي بن يحيى الأرمني...» ذكر ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق الكثير من الروايات حول البطال منها: ذكر البيزنطيين اسمه لتخويف الأطفال، ودخوله عمورية وتظاهره بأنه رسول وكشفه خططهم، ودخوله دير فيه نسوة (تزوج احداهن لاحقاً) وقتله أحد البطارقة. ومقابلته الإمبراطو ليو ووفاته وطلبه منه أن يدفنه من معه من أسرى المسلمين، ففعل الملك. ومن ناحية أخرى بداية بابن عساكر ومعاصره السموأل بن يحيى المغربي انتقد الكثير من المؤرخين المسلمين مختلف الافتراءات أدخلت في حسابات حياة البطال. ويقول الذهبي: «إن القُصّاص حكوا عنه ـ أي البطال ـ من الخرافات ما لا يليق». وقال ابن كثير بعد حديثه عن البطال: «وأما ما يذكر العامة عن البطّال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة (ذات الهمّة) والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وجهل وتخبط فاحش». وقال ابن كثير بعد أن لخص سيرته في كتابة البداية والنهاية: «وأما ما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة، والبطال، والأمير عبد الوهاب، والقاضي عقبة فكذب وافتراء، ووضع بارد، وجهل كبير، وتخبيط فاحش، لا يروج ذلك إلا على غبي أو جاهل ردي، كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسي المكذوبة، وكذلك سيرة البكري، والدنف وغير ذلك، والكذب المفتعل في سيرة البكري أشد إثما وأعظم جرما من غيرها; لأن واضعها يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.» أعمال عنه ـــــــــــ استغل اسم عبد الله البطال في عملين الأول في اللغة العربية (سيرة ذات الهمة والبطّال) أو دلهمه والثاني في الملحمة الأدبية التركية الشعبية سيد بطال غازي. وعلى الرغم من أن كلاهما تم تأليفهما في القرن الثاني عشر ورسما على تقاليد عربية، فهما يعرضان فروقات هامة، فالرواية التركية تتضمن العديد من التأثيرات الفارسية والتركية، بما فيها العناصر الخارقة من التقاليد الشعبية أو زخارف من الشاهنامه ورواية أبو مسلم.كل من الروايات تضع البطّال في منتصف القرن التاسع الميلادي وتربطه بملطية وأميرها عمر الأقطع (المتوفى:863م) ونتيجة لذلك أصبح مرتبطاً بشكل خاص مع مدينة ملاطية وما حولها. أخذ الصحصاح بطل قبيلة بني كلاب دور البطّال الخاص في الحروب الأموية ضد البيزنطيين في دلهمه. وفي هذه الروايات ظهر البطال كبطل إسلامي وأصبح يشبه فيها أوديسيوس (المشهور بالمكر والدهاء) في الدهاء.واعتبره الأتراك رمزاً بارزاً في فتوحاتهم للأناضول بعد فتح ملطية 1102 على يد الدانشمنديين. عُمل على قصصه (بالتركية:Battalname) في عهد السلاجقة والعثمانيين، وأصبح موضوعاً لمجموعة كبيرة للعديد من الحكايات الشعبية. ويرفع العلاهيون والبكتاشية من قدره ويسمونه بالسيد، وللبطال مزار في مدينة سيد غازي-التي سميت باسمه-، ويأتيه الزوار من مناطق بعيدة مثل آسيا الوسطى حتى أوائل القرن 20 عبدالله بن عمرو بن علقمة البطّال الملقب بالأنطاكي لأن مقرّه كان بأنطاكية، أحد القواد العرب الشجعان المشهورين في العصر الأموي، وأحد رؤساء عرب الجزيرة الذين كانوا يغزون ثغور الروم، ولا تذكر كتب التاريخ سنة مولده وإن كان أكثرها يحدد سنة وفاته واختلف المؤرخون في كنيته فهو أبو محمد وأبو يحيى أو أبو الحسين، وإن لم يختلفوا في ذكر سيرته والأحداث التي مرّت معه. رُوي أن الخليفة الأموي عبد الملك حين عقد لابنه مَسْلَمة على غزو بلاد الروم ولّى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطّال، وقال لابنه: «سيّره على طلائعك ومره فليعسّ بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع» فكان تحت إمرة البطّال عشرة آلاف من المحاربين جعلهم ترساً ما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم. شهد البطّال عدة حروب، وأوطأ الروم خوفاً وذلة، فكانت الروم تهابه هيبةً شديدة. وتذكر قصص التاريخ عن شجاعته وجرأته ومغامراته في بلاد الروم حكايا غريبة لا تكاد تُصَدّق، إذ كان البطال ذا قلبٍ جريء لا يهاب، وكان يقول: «الشجاعة صبر ساعة»، وكان يساعده في ذلك معرفة بلغة الروم فقد كان يتكلمها كأحد أبنائها. واشتهر أمره بين الروم فهابوه حتى صارت الأمهات الروميات يخفن أطفالهن به، ويروى أن رجالاً من جيش المسلمين توغلوا في أرض الروم ولم تعرف أخبارهم، فسار البطّال وحيداً إلى أرض الروم لإنقاذهم، ووقف على باب عمورية وادّعى أنه سياف ملك الروم ورسوله إلى بطريق المدينة ففتحت له الأبواب، ولما وصل إلى البطريق طلب إليه أن يخرج من في المجلس، فلما فعل كشف البطّال عن شخصيته وهدد البطريق بالسيف وأمره أن يُصدقه القول في أمر السرية المسلمة، فأخبره البطريق أنهم توغلوا في البلاد وملؤوا أيديهم بالغنائم، وسمى له الوادي الذي وصلوا إليه، فغمد البطّال سيفه وطلب الأمان ثم تناول طعاماً، ولمّا خرج من عند البطريق لم يكشف هذا عن شخصية البطّال، بل أمر الناس أن يفسحوا الطريق لرسول الملك، واستطاع البطّال أن يصل إلى السرية ويخرج بأفرادها بما غنموا إلى منطقة لاتتبع الروم، وتزوج إحدى الروميات السبيات وهي أم أولاده، وكان أبوها بطريقاً كبيراً. كان البطال شديد الإيمان، يسأل دائماً الله الحج ثم الشهادة، ولم يتمكن من الحج إلا في السنة التي استشهد فيها. ويروى أن الملك ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية لغزو بلاد العرب ...فكتب بذلك البطريق - أبو زوجة البطال إلى صهره. فخبّر البطّال بذلك عساكر المسلمين، وأشار على القائد مالك بن شبيب أن يتحصن الجنود في حرّان، وهي إحدى مدن الروم المخرّبة وذلك حتى يصل قائد الخليفة سليمان بن هشام، ولكن مالكاً بن شبيب أبى عليه ذلك ودهم جيش الروم، فاضطر البطّال إلى خوض المعركة مع الجيش بعد أن وصّى ألا يلفظ أحد اسمه، واتفق أن ناداه أحدهم خطأ فعرفه الروم، وحملوا عليه، وقتلوا من حوله، وانكسر المسلمون، وقُتل مالك بن شبيب فيمن قُتل، ولما مالت الشمس رأى الملك أن يرجع إلى المعسكر ليدهم من تبقى من المسلمين في يومه التالي، وهنا أمر البطّال منادياً يدعو الناس إلى الذهاب إلى قرية سنّادة ليتحصنوا فيها على ألا يتركوا جريحاً أو ضعيفاً في ميدان المعركة، وأوهم الجيش أنه سينسحب معهم، وبقي في قلّة في ميدان المعركة ليؤخر وصول جيش الروم. ولما نشب القتال في اليوم التالي استبسل البطال حتى جرح ووقع، فقال له الملك: أبا يحيى كيف رأيت؟ قال: ما رأيت كذلك، الأبطال تَقْتُل وتُقتَل» فأمر الملك ليون الذي كان معجباً بشجاعة البطّال أن يؤتى له بالأطباء، فأخبروه أن جراحه مميتة، فسأل الملك البطال: «هل من حاجة؟» قال: نعم، تأمر من لديكم من أسرى المسلمين بتكفيني والصلاة عليّ ودفني وتخلّي سبيل من ثبت عندي، ففعل الملك،وكانت جيوش الخليفة قد وصلت، فسار ليون إلى القسطنطينية وتحصّن بها. وقد اقترن اسم البطّال باسم صديق له في التاريخ وفي القصة الشعبية التي وردت على لسان الناس بعد ذلك، وهو أبو عبيدة عبد الوهاب بن بخت مولى آل مروان، وقد وصف بأنه كان كثير الحج والعمرة والغزو، وأكثر الروايات التاريخية تجعل موت البطّال في السنة ذاتها التي مات فيها صديقه أبو عبيدة. البطّال في السيرة الشعبية: في عصر الدول المتتابعة زاد ميل الشعب إلى الأساطير البطولية، وظهر أدب السيرة الشعبية الذي يمثل الحياة التي يتمناها الناس والتي يسودها العدل والصدق وينتصر فيها العرب وما يؤمنون به على أعدائهم أكانوا من أولئك في الداخل الذين يصانعون العدو أم من أعداء البلاد في الخارج. وقد حدا ذلك القصاصين إلى التطلع إلى التاريخ يستمدون منه شخصيات الأبطال ذات الصلة بالواقع، ثم يمزجون بين الأسطورة والتاريخ. وقد استهوت سيرة البطّال وصديقه عبد الوهاب وشجاعتهما عامة الناس الذين يولعون عادة بالغرائب والبطولات فيما يخص الرجال الذين أوتوا من القدرات ما يفتقر إليه البشر العاديون، وقد ورد ذكر لقصة البطال الشعبية عند المقري وفي تاريخ الذهبي الذي يقول: »إن القُصّاص حكوا عنه ـ أي البطال ـ من الخرافات ما لا يليق . أما ابن كثير فيورد بعد حديثه عن البطال القائد الأموي: وأما ما يذكر العامة عن البطّال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة (ذات الهمّة) والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وجهل وتخبط فاحش». وقد حملت القصة الشعبية عن البطال اسمه في البدء ثم حوّل القصاصون العنوان إلى ذات الهمة. ومع موقف المؤرخين من الأدب الشعبي عامة فقد انتشرت بين طبقات الشعب السير التي تتحدث عن الأبطال. وقد استهوت سيرة البطال الأتراك وهم الذين حاربوا الروم وفتحوا القسطنطينية فظهر بينهم بطل اسمه (سيد بطّال) وقبره في سيد غازي جنوب إسكي شهر، وقد ألفت حول حياته سيرة شعبية تختلف عن السيرة الشعبية العربية درسها المستشرق فليشر. ويبدو أن هذا اللقب حمله آخر ورد اسمه في كتب التاريخ المتأخرة كتاريخ الجنابي واسمه أبو محمد جعفر بن السلطان حسين بن ربيع بن عباس الهاشمي ذكروا أنه ولد بملطية وكان على قيد الحياة سنة 1000هـ ويبدو أن هؤلاء المؤرخين تأثروا بالقصة الشعبية التركية سيد بطّال وفاته ـــــــــ لقد تمنى عبد الله البطال الحج والشهادة راجيًا من الله أن ينالهما وشاءت إرادة الله أن يكتب له الحج والشهادة في عام واحد فبعد إقفاله من الحج عاد إلى الثغور؛ ليكون في طليعة المجاهدين وليفوز بالشهادة التي طالما تمناها، وخاض من أجلها كثير من الحروب. وسبب شهادته -كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية- أن ليون ملك القسطنطينية قد خرج في ألف فارس يريد المسلمين فأرسل البطريق إلى البطال، وكان البطال متزوج بابنة البطريق يخبره بخروج ليون، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، وكان الأمير مالك بن شبيب، وقال له: المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالاً شديدًا والأبطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفًا عليه من الروم، فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطًا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها، وأصبح ليون فوقف على مكان المعركة فإذا البطال بآخر رمق، فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الأبطال، فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه فإذا جراحه قد وصلت إلى مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يلوا غسلي والصلاة عليَّ ودفني. ففعل الملك ذلك، وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، وانطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة والحصار إذ جاءتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هاربًا راجعًا إلى بلاده، قبحه الله، فدخل القسطنطينية وتحصن بها. قال خليفة بن خياط: كانت وفاة البطال ومقتله بأرض الروم في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقال ابن جرير: في سنة ثنتين وعشرين ومائة. وقال ابن حسان الزيادي: قتل في سنة ثلاث عشرة ومائة، قيل وقد قاله غيره وإنه قتل هو والأمير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشرة ومائة كما ذكرنا ذلك فالله أعلم، ولكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته إلا في هذه السنة، فالله أعلم قال رجل : عقد مسلمة للبطال على عشرة آلاف ، وجعلهم يزكا وعن ابن مروان عن البطال ، قال : اتفق لي أنا أتينا قرية لنغير ، فإذا بيت فيه سراج وصغير يبكي ، فقالت أمه : اسكت ، أو لأدفعنك إلى البطال فبكى فأخذته من سريره ، وقالت : خذه يا بطال فقلت : هاته . وجرت له أعاجيب وفي الآخر أصبح في معركة مثخونا وبه رمق فجاء الملك ليون ، فقال أبا يحيى : كيف رأيت ؟ قال : وما رأيت ؟ كذلك الأبطال تقتل وتقتل ، فقال : علي بالأطباء ، فأتوا فوجدوه قد أنفذت مقاتله ، فقال : هل لك حاجة ؟ قال : تأمر من يثبت معي بولايتي وكفني والصلاة علي ثم تطلقهم ، ففعل . قتل سنة اثنتي عشرة ، وقيل : سنة ثلاث عشرة ومائة . ظهر البطال آخر مرة في حملة كبيرة فيها عشرات الآلاف من الرجال من الجيش الأموي ضد البيزنطيين إلى جانب مع مالك بن شعيب، نائب حاكم ملطية، قاد البطال قوة من الفرسان قوامها 20000 في حين سليمان بن هشام قاد القوة الرئيسية التي تقف وراءها. وصلت قوة البطال وقوة مالك حتى أكرونيون المعروفة اليوم بأفيون قره حصار، ولكن تواجه وهُزم من قبل البيزنطيين بقيادة الإمبراطور ليو (الحاكم من: 717م - 741م) وولده قسطنطين في معركة أفيون قره حصار. لقى فيها جميع القواد المسلمين وثلثي الجيش حتفهم.