*( الأبعاد الدوليه لمعركه وادي المخازن)* بقلم د. صالح العطوان الحيالي الحيالي

الابعاد الدولية لمعركة وادي المخازن" والانتصار الباهر على العدوان الصليبي
ـــــــــــــــــــــــــ د.صالح العطوان الحيالي - العراق - 18-6-2018
معركة القصر الكبير أو "معركة الملوك الثلاث" أو "معركة وادي المخازن" (30 جمادى الأولى 986 هـ الموافق 4 أغسطس 1578) هي معركة قامت بين المغرب والبرتغال في 4 أغسطس 1578م، قام ملك البرتغال سباستيان بحملة صليبية جديدة على المغرب لكي يسيطر على جميع شواطئ المغرب، وكي لا تعيد الدولة السعدية بمعاونة العثمانيين الكرّة على الأندلس. انتصر المغرب، وفقدت البرتغال في هذه المعركة ملكها وجيشها و العديد من رجال دولتها، ولم يبق من العائلة المالكة إلا شخص واحد
سبب المعركة
ــــــــــــــــ تربع (سبستيان) عام 1557م على عرش إمبراطورية البرتغال التي يمتد نفوذها على سواحل إفريقيا وآسيا وأمريكيا، فتطلع إلى استخلاص الأماكن المقدسة المسيحية في المشرق من يد المسلمين، فاتصل بخاله ملك أسبانيا فيليب الثاني ملك إسبانيا يدعوه للمشاركة بحملة صليبية جديدة على المغرب العربي كي لا تعيد الدولة السعدية بمعاونة العثمانيين الكرّة على الأندلس .
وكان من حكامهم محمد المتوكل على الله وكان فظاً مستبداً ظالماً قتل اثنين من إخوته عند وصوله إلى الحكم ، وأمر بسجن آخر ، فكرهته الرعية ، فرأى عمه عبد الملك أنه أولى بالملك من ابن أخيه ، فأضمر المتوكل الفتك بعميه عبد الملك وأحمد ففرا منه مستنجدين بالعثمانيين ، الذين كتبوا إلى واليهم على الجزائر ليبعث مع عبد الملك خمسة آلاف من عسكر الترك يدخلون معه أرض المغرب الأقصى ليعيدوا له الحكم الذي سلبه منه المتوكل.
وعندما دخل عبد الملك المغرب مع الأتراك ، وانتصر في معركة قرب مدينة فاس ، وفر المتوكل من المعركة ، ودخل عبد الملك فاس سنة 983هـ وولى عيها أخاه أحمد ، ثم ضم مراكش ، ففر المتوكل إلى جبال السوس ، فلاحقته جيوش عمه حتى فر إلى سبتة ، ثم دخل طنجة مستصرخاً بملك البرتغال سبستيان ، بعد أن رفض ملك أسبانيا معونته .
أراد ملك البرتغال الشاب محو ما وصم به عرش البرتغال خلال فترة حكم أبيه من الضعف والتخاذل ، كما أراد أن يعلي شأنه بين ملوك أوروبا فجاءته الفرصة باستنصار المتوكل به على عميه وبن جلدته ، مقابل أن يتنازل له عن جميع شواطئ المغرب .
استعان سبستيان بخاله ملك أسبانيا فوعده أن يمده بالمراكب والعساكر ما يملك به مدينة العرائش لأنه يعتقد أنها تعدل *سائر مراسي المغرب ، ثم أمده بعشرين ألفاً من عسكر الأسبان ، وكان سبستيان قد عبأ معه اثني عشر ألفاً من البرتغال ، كما أرسل إليه الطليان ثلاثة آلاف ، ومثلها من الألمان وغيرهم عددا ًكثيراً ، وبعث إليه البابا بأربعة آلاف أخرى ، وبألف وخمس مائة من الخيل ، واثني عشر مدفعا ً، وجمع سبستيان نحو ألف مركب ليحمل هذه الجموع إلى العدوة المغربية . وقد حذر ملك أسبانيا ابن أخته عاقبة التوغل في أرض المغرب ولكنه لم يلتفت لذلك .
تظل معركة وادي المخازن التي وقعت في القرن 10هـ/16م، حدثًا تاريخيًّا غنيًّا بدلالاته، فهو الحقُّ الأبلج الذي انتصر على العدوان والباطل اللجلج، وهو الإسلام الذي ينتزع انتصارًا باهرًا في تلك السلسلة الطويلة من الحروب الصليبيَّة التي استهدفت بلاد المسلمين منذ أزمان.
تسمية المعركة
----------- تعدَّدت أسماء المعركة في الاساطير المغربيَّة، مثل: معركة الملوك الثلاثة، ومعركة القصر الكبير، ومعركة وادي المخازن، وهو الاسم الذي دَرَجَ على استعماله المؤرخون المغاربة في كتبهم، وربَّما خطر لبعض المؤرخين المعاصرين أنْ يسموها اليومَ بدافع تصحيح جاء متأخرًا عن موعده: "معركة الملوك الأربعة"؛ لأنَّها إضافةً إلى الملوك الثلاثة الذين ذهبوا ضحايا لها، كانت منطلقًا لبروز ملك رابع سطع نجمه عاليًا في المغرب، ألا وهو أحمد المنصور الذهبي .
الدولة السعدية: الدولة التي حكمت المغرب في هذه المرحلة:
------------------- يرجع أصل السعديِّين الذين كانوا يحكمون بلاد المغرب إلى الأشراف السعديين من الحجاز، ينتسبون إلى ولد محمد النَّفس الزَّكية، وسبب قدومهم من الحجاز إلى المغرب أنَّ أهل "درعة" كانت لا تصلح ثمارهم، وتعتريها الأمراض كثيرًا، فقيل لهم: لو أتيتم بشريف إلى بلادكم، كما أتى أهل "سجلماسة"، لصَلَحَت ثماركم كما صَلَحت ثمارهم، وكان أهل "سجلماسة" جاؤوا من أرض ينبع بشريف من آل البيت، فأتى أهل "درعة" بالمولى زيدان بن أحمد؛ لذلك يقال: دولة الأشراف السَّعديين من آل زيدان.
وأمَّا تسميتهم بالسعديين، هذه النسبة التي لم تكُن لهم في القديم، ولم تظهر في سجلاتِهم ورسائلهم، بل لم يجترئ أحدٌ على مواجهتهم بهذه التسمية؛ لأنَّه إنَّما يصفهم بها مَن يقدح في نسبهم، ويطعن في شَرَفِهم، ويزعم أنَّهم من بني سعد بن بكر بن هوازن، الذين منهم حليمة السَّعدية مرضعة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكثير من العامَّة يعتقدون أنَّهم إنَّما سموا بذلك؛ لأنَّ الناس سعدوا بهم.
قامت دولة السعديين بعد دولة بني وطَّاس، فوقعت على كاهلهم مهمة جهاد البرتغاليِّين الذين سيطروا على شواطئ المغرب الأقصى.
بعد أن توفي الغالب بالله، بويع ابنه محمد الذي لقَّب نفسه "المتوكل على الله"، وكان فظًّا غليظًا مستبدًّا ظالمًا، قَتل اثنين من إخوته عند وصوله إلى الحكم، وأمر بسَجن آخر، فكرهته الرَّعية، خصوصًا والمُلك يؤول إلى أكبر أمراء الأسرة سنًّا؛ لذلك رأى عمه عبدالملك أنه أولى بالملك من ابن أخيه، فأضمر المتوكِّل الفتك بعمَّيه عبدالملك وأحمد، ففرَّا منه مستنجدين بالعثمانيين.
وُصف المتوكل بأنه كان فقيهًا أديبًا مشاركًا مجيدًا قويَّ العارضة في النَّظم والنثر، وكان مع ذلك متكبِّرًا تيَّاهًا غير مبالٍ بأحد، ولا متوقفًا في الدِّماء، عسوفًا على الرَّعية، ومن شعره قوله:
فَقُمْ بِنَا نَصْطَبِحْ صَهْباءَ صَافِيَةً ..... فِي وَجْهِهَا عَسْجَدٌ فِي وَجْهِهِ نُقَطُ
وَانْهَضْ إِلَيْهَا عَلَى رَغْمِ العِدَا قَلِقًا .... فَإِنَّ تَأْخِيرَ أَوْقَاتِ الصِّبَا غَلَطُ
وأما عمه عبدالملك فقد كانت سجاياه حميدة، وسيرته عطرة، جمع بين العلم والشَّجاعة، وهو سياسي محنَّك، أتقن عدة لغات أوربيَّة وشرقية، أمُّه "سحابة الرَّحمانيَّة"، سارت به مع أخيه أحمد إلى الجزائر، فهيَّأ الوالي العثماني لهم سُبُل السفر إلى الأستانة؛ حيث التجأ إلى السلطان سليم بن سليمان طالبًا نجدته ومعونته، فتثاقل عنه السلطان سليم، إلى أن بعث بأسطول بحري لفتح تونس، وتخليصها من يد الحفصيِّين الذين استنجدوا بالإسبان، واستطاعت هذه العمارة البحرية تحقيقَ هدفها، وفرَّ الحسن بن محمد الحفصي إلى قشتالة، بعد أن فتح "خير الدين بربروس" تونس، فشهد عبدالملك الفتح، وعاد بالبشرى إلى السلطان العثماني فأنجده، وكتب أمرًا للدَّولاتي صاحب الجزائر؛ ليبعث معه خمسة آلاف من عسكر التُّرك، يدخلون معه أرض المغرب الأقصى؛ ليعيدوا إليه حقَّه في الحكم، وعندما دخل عبدالملك المغرب مع الأتراك، كاتب حاشية المتوكل وبطانته، ورؤوس أجناده، يَعِد طائعهم، ويتوعَّد عاصيهم، وكتب الله النصر لعبدالملك في معركة قرب مدينة فاس، وفرَّ المتوكل من المعركة، وكان ذلك سبب خراب ملكه، وإقامة ملك عمه، ودخل عبدالملك مدينة فاس يوم الأحد 7 ذي الحجة سنة 983هـ، ثم ضمَّ مرَّاكش، ففرَّ المتوكل إلى جبال السُّوس، وجعل يتنقَّل بين قبائلها وأحيائها، إلى أن اجتمعت عليه طائفة من الصَّعاليك، وشكَّل ما يشبه الجيش استهوتهم منه الأضاليل والوعود وقادهم إلى مرَّاكش فدخلها، إلاَّ أن أحمد أخا عبدالملك جاء من مدينة فاس ففرَّ المتوكل إلى السُّوس ثانية، ومنها إلى سبتة ثم دخل طنجة مستصرخًا بملك البرتغال، فكان ذلك سببًا من أسباب معركة وادي المخازن .
المعركة بين الفريقين
------------------------ المعركة بالنسبة للمغاربة معركة الفرقان:
شبَّه أغلبُ الإخباريين والمؤرخين المغاربة معركةَ وادي المخازن بغزوة بدر، التي كانت انتصارًا للإسلام وللملة المحمدية، واستبشر الفقهاء بهذا الانتصار ورأوا في موت ثلاثة ملوك رمزًا وإشارة إلى انهزام التَّثليث، وذكر المغاربة ذلك في نثرهم وشِعْرهم، وأشار ابن القاضي في كتابه "درة الحجال في أسماء الرجال"، إلى المسألة في شكل تعجُّب حين قال: "فانظر لحكمة الله القهار! أهلك ثلاثة ملوك في يوم واحد، وأقام واحدًا"، وفي قصيدة شعرية لأبي عبدالله محمد بن علي القشتالي نقرأ:
وَجَرَّدْتَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ صَوَارِمًا ...تَصُولُ بِهَا وَالْعَاجِزُونَ نِيَامُ
ضَرَبْتَ بِهَا التَّثْلِيثَ لِلْحَتْفِ ضَرْبَةً ...فَلَمْ يَبْقَ بَعْدُ للصَّلِيبِ قِيَامُ
وَأَمْطَرْتَ وَيْلاً بِالْمَخَازِنِ قَطْرُهُ ...بِمَوْتِ الْأَعَادِي بُنْدُقٌ وَسِهَامُ
المعركة بالنسبة للبرتغاليين عقاب من الله
-------------------- تناولت المصادر والوثائق البرتغالية المعركة من زاوية دينية تشاؤمية، على عكس المصادر المغربية والإسلامية؛ فرأى البرتغاليون في انهزامهم فيها عقابًا من الله، وحمَّلوا المسؤولية للنُّبلاء ولرجال الدين (الإكليروس) الذين لم يعرفوا كيف يَحدُّون من اندفاعِ "دون سيباستيان" الناتج عن صغر سنِّه وقلة تجربته، وبالرغم من ذلك قدَّس البرتغاليون هذا الأمير، ونزَّهوه وجعلوا منه مثيرًا للمهدي المنتظر، وخلد الشاعر "فرناندو بْسُوَا" اسم "دون سيباستيان" بقصيدة في هذا المعنى سماها باسمه:
لتكن مآسي الرمال والموت والشقاء فإني لن أعبأ بها ما دمت مصونًا في الرعاية الربانية
فمعنى ذلك أني عائد لا محالة فالملِك حَسَبَ هذا المعتقد الخرافي لم يَمُت في معركة وادي المخازن، ولكنَّه ما زال أسيرًا عند المغاربة في جزيرة بعيدة، ومن هذه الجزيرة سيعود؛ ليحرر شعبه .
قادة المعركة
----------- شهد التاريخ بالعظمة والحكمة والشجاعة لعبدالملك المعتصم بالله ولأخيه أحمد المنصور، كما يشهد أيضًا لعدد من القادة كان لهم دور بارز في تحقيق هذا النصر المظفر، وتنجلي المعركة عن نصر خالد في تاريخ الإسلام، وعن موت ثلاثة ملوك.
لكنْ هناك اختلاف كبير في نهايتهم:
* الملك الأول: صليبي مجندل، هو "دون سبستيان" ملك أعظم إمبراطورية على الأرض في هذه المرحلة بلا منازع آنذاك.
* الملك الثاني: خائن غريق مسلوخ، هو محمد المتوكل، الذي منح للملك البرتغالي أحسنَ فرصة للتدخل في شؤون المغرب؛ إذ تعهد بالتنازُل له عن الشواطئ المغربية، لقاء مساندته.
* الملك الثالث: شهيد - بإذن الله - بطل فاضت رُوحه، هو عبدالملك المعتصم بالله، ازداد سنة 1541م، فقد حاول المعتصم بالله أن يخرج المغرب من المتواتر المألوف؛ ليدخله إلى المؤسساتي، وتؤكد بعض المصادر أنَّ عبدالملك كان يسهر بنفسه على صَهْر الحديد الذي يستعمل في صناعة الأسلحة.
* أمَّا الملك أحمد المنصور، فقد بويع بعد انتصار وادي المخازن، بعد الفراغ من القتال بميدان المعركة؛ إذ كلف الكاتب محمد بن عيسى بكتابة نص بيعته، ثم جمع كبار قادة الجيش ورجال الدولة والشرفاء، وأخبرهم بموت أخيه المعتصم، وتوليته هو شؤون الحكم.
* ما الذي مهد للمعركة
------------- كل حدث تاريخي يتحتم وضعه في سياقه التاريخي يظلُّ غامضًا ومستعصيًا على الفهم الصحيح، الشيء الذي يلزمنا بالنسبة لهذا الحدث الذي نعالجه الآن أنْ نبحث عن الأسباب التي جعلت المغرب والعُدوان البرتغالي الصليبي يقفان وجهًا لوجه:
إنَّها في الواقع نهاية مسلسل بدأ مع تدهور الدولة المرينية في القرن الرابع عشر، وتفاقمت بضياع سبتة التي احتلتها البرتغال سنة 1415م، وبالحصار الذي ضربته الدول الإيبيرية (البرتغال وإسبانيا).
يضاف إلى ذلك ما عاشته الدولة المغربية من انحطاط ومشاكل داخليَّة مستعصية في تلك الفترة، فما أبعدنا عن عهد الدولة الموحدية التي كانت هيبتها سارية في غَرب البحر الأبيض المتوسط بكامله، وكذلك في ثُغُور لدى النصارى الإسبان.
كما شهد القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر الميلادي صراعًا قويًّا بين ثلاث إمبراطوريات هي: الأتراك العثمانيون، والإسبان، ثم البرتغال؛ من أجل السيطرة والتحكُّم في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وتَمرْكَز الصراع منذ منتصف ذلك القرن في الشمال الإفريقي، وفي بلاد المغرب الأقصى بوجه خاص، فقد سعى الأتراك إلى ضمِّ المغرب في مُحاولة منهم لتأمين حدود الخلافة العثمانيَّة، ثم توظيف الموقع المغربي في مهاجمة غربي أوربا.
كما اتَّجهت أطماع الإسبان والبرتغال نحو المغرب منذ الانتصارات الأولى، التي أحرزوها في الأندلس في إطار ما يسمونها "حروب الاسترداد"، وازداد اهتمامهم بالمغرب على إثر حركة الاكتشافات الجغرافيَّة وتوسُّعهم في ميدان الملاحة البحرية، وكانت بلاد المغرب مُغرية بثرواتها لهم، بثروتها الزراعية، ومعادنها وطرقها التِّجارية نحو إفريقيا السوداء، وموقعها الإستراتيجي المطل على حوض البحر المتوسط من جهة المحيط الأطلسي من جهة أخرى.
من هنا ظهرت المبادرة البرتغالية للاستعداد للهجوم على المغرب، ومُحاولة القضاء على القُوَّة السعدية الناشئة.
أسباب نشوب المعركة
------------ يؤكد كثير من المؤرخين على أنَّ استنجاد محمد المتوكل المخلوع عن العرش السعدي بملك البرتغال "دون سبستيان بن جان الثالث"، وطلبه الحماية والمساعدة ضد عمه أبي مروان عبدالملك - كان السبب الرئيس لقيام الحملة العسكرية البرتغالية على المغرب، والتي أدَّت إلى وقوع معركة وادي المخازن، وبذلك يُحمِّل هؤلاء المؤرخون محمد المتوكل الخائن مسؤوليةَ حَمْلة الصليبي "سبستيان" على المغرب.
في المقابل، الوثائق التي عرضها "هنري دي كاستري" في مجموعة "المصادر الأصلية للتاريخ المغربي" تؤكد أنَّ عام 987هـ/1570م يحدد بداية مشروع الحملة البرتغالية على المغرب؛ أي: قبل إرسالها فعلاً بثماني سنوات، وتجدَّد الحماس لمشروع الحملة، عندما قام "سبستيان" بزيارة سبتة وطنجة، أهم مراكز الاحتلال البرتغالي بالمغرب، في عام 982هـ /1574م.
كانت هناك أيضًا اتِّصالات لإشراك متطوعين من الدُّول الأوربية، فانضمَّ إلى الحملة كثير من الألمان والإنجليز والإيطاليين والنمساويين، فضلاً عن الإسبان؛ مما أغدق على الحملة طابعًا صليبيًّا، باركه البابا وحض عليه.
قبيل المعركة
---------اختار عبدالملك القصر الكبير مقرًّا لقيادته، وخصص مَن يراقب سبستيان وجيشه بدقَّة، ثم كتب إلى سبستيان مستدرجًا له: "إنِّي قد قطعت للمجيء إليك ستَّ عشرة مرحلة، فهلا قطعت أنت مرحلة واحدة لملاقاتي"، فنصحه المتوكل ورجاله ألاَّ يترك "أصيلا" الساحلية؛ ليبقى على اتِّصال بالمؤن والعتاد والبحر، ولكنه رفض النصيحة، فتحرك قاصدًا القصر الكبير، حتَّى وصل جسر وادي المخازن؛ حيث خيم قبالة الجيش المغربي، وفي جنح الليل أمر عبدالملك أخاه أحمد المنصور في كتيبة من الجيش أنْ ينسف قنطرة جسر وادي المخازن، فالوادي لا معبر له سوى هذه القنطرة.
وتواجه الجيشان بالمدفعيَّتين، وبعدهما الرُّماة المشاة، وعلى المجنبتين الفُرسان، ولدى الجيش المسلم قُوى شعبية متطوعة، إضافةً لكوكبة احتياطيَّة من الفرسان ستنقضُّ في الوقت المناسب.
المشاركون في المعركة، اختلاف التقديرات
-------------- : اختلفت تقديرات المؤرخين حول عدد المشاركين ضمن الحملة البرتغالية، إلاَّ أنَّ تقريرًا إسبانيًّا أفاد بأن الملك البرتغالي غادر لشبونة بـ (487) سفينة من مختلف الأنواع حملت 24 ألف جندي، بينهم ثلاثة آلاف فارس، والباقي من المشاة، وعند المؤرخين المغاربة أنَّ الحملة البرتغالية كانت ما بين ستين ألف و125 ألفَ مقاتل، وما يلزمهم من المعدات، وأقل ما قيل في عددهم ثمانون ألفًا، وكان منهم 20000 إسباني، 3000 ألماني، 7000 إيطالي، مع ألوف الخيل، وأكثر من أربعين مدفعًا، بقيادة الملك الشاب سبستيان، وكان معهم المتوكل بشرذمة تتراوح ما بين 300 - 6000 على الأكثر.
أمَّا الجيش المغربي، فكان بقيادة عبدالملك المعتصم بالله، ضم 40000 مجاهد من المغاربة المسلمين، يملكون إيمانًا قويًّا وتفوقًا في الخيالة، مدافعهم أربعة وثلاثون مدفعًا فقط، إضافة إلى القوات التي بعثها باشا الجزائر لصد الغزو البرتغالي؛ بناء على أوامر من السلطان العثماني مراد الثالث، والتي قدرت بنحو أربعة آلاف أو خمسة آلاف تركي.
لكن دائمًا نستحضر قوله - تعالى -: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249].
نعم، فئة قليلة، مؤمنون، صادقون، يذلون أكبرَ جيش في العالم في تلك الفترة.
نعم، المعركة بين باطلين لا تنتهي، من هنا كان النصر الاستحقاقي والنَّصر التفضُّلي، وهناك نصر كوني إذا كان المتحاربان شاردين عن الله - عزَّ وجلَّ - الأقوى ينتصر، الذي معه سلاح أحدث ينتصر، الذي يملك قدرة على الإصابة الدقيقة ينتصر، الذي يملك طيرانًا ينتصر، أمَّا إذا كان هناك إيمان وكفر، فالمؤمن ينتصر.
انطلاق المعركة
---------- في صباح الاثنين 30 جمادى الآخرة 986هـ، الموافق 4 أغسطس 1578م، وَقَف السُّلطان عبدالملك يُحرض الجيش على القتال، ولم يألُ القساوسة والرهبان جهدًا في إثارة حماس جند أوربا، مذكرين أن البابا أحل من الأوزار والخطايا أرواحَ مَن يَلْقَون حتفهم في هذه الحروب.
وانطلقت عشرات الطلقات النَّارية من الطرفين كليهما إيذانًا ببدء المعركة، وبرغم تدهور صحة السلطان عبدالملك الذي رافقه المرض وهو في طريقه من مراكش إلى القصر الكبير، فإنَّه خرج بنفسه؛ ليرد الهجوم الأول، ولكن المرض غالبه، فغلبه فعاد إلى محفته، وما هي إلا لحظات حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ومات وهو واضع سبابته على فمه مشيرًا أن يكتموا الأمر حتَّى يتم النَّصر، ولا يضطربوا، وكذلك كان فلم يطَّلع على وفاته إلا حاجبه وأخوه أحمد المنصور، وصار حاجبه يقول للجند: "السلطان يأمر فلانًا أن يذهب إلى موضع كذا، وفلانًا أن يلزم الراية، وفلانًا يتقدم، وفلانًا يتأخر"، وفي رواية: إنَّ المتوكل دسَّ السم لعمه عبدالملك قبل اللقاء؛ ليموت في المعركة، فتقع الفتنة في معسكر المغاربة.
ومال أحمد المنصور بمقدمة الجيش على مؤخرة البرتغاليين، وأوقدت النَّار في بارود البرتغاليين، واتَّجهت موجة مهاجمة ضد رماتهم أيضًا، فلم يقف البرتغاليون لقوة الصَّدمة، فتهالك قسم منهم صرعى، وولَّى الباقون الأدبار قاصدين قنطرة نهر وادي المخازن، فإذا هي أَثَرٌ بعد عين، نسفها المسلمون، فارتموا بالنَّهر، فغرق من غرق، وأسر من أسر، وقتل من قتل.
وصرع سبستيان وألوف مِن حوله، بعد أن أبدى صمودًا وشجاعة تُذْكَر، وحاول المتوكل الخائن الفرار شمالاً، فوقع غريقًا في نهر وادي المخازن، ووجدت جثته طافية على الماء، فسلخ وملئ تبنًا وطيف به في أرجاء المغرب حتى تمزق وتفسخ.
دامت المعركة أربعَ ساعات وثلث الساعة، ولم يكن النَّصر فيها مصادفة، بل لمعنويات عالية، ونفوس شعرت بالمسؤولية، ولخطة مدروسة مقررة محكمة.
أسباب النصر
ـــــــــــــــ :
1- آلام المسلمين من سقوط غرناطة وضياع الأندلس ومحاكم التفتيش جراح لم تندمل بعد ، وهي ماثلة أمامهم .
2- الخطة المحكمة المرسومة بدقة ، واستدراج الخصم لميدان تجول فيه الخيول وتصول ، مع قطع طرق تموينه وإمداده ، ثم نسف القنطرة الوحيدة على نهر وادي المخازن .
3- المشاركة الفعالة للقوى الشعبية بقيادة العلماء والشيوخ ، مليئة بالإيمان وحب الشهادة وبروح عالية لتحقيق النصر حتى قاتل البعض بالمناجل والعصي .
4- تفوق المدفعية المغربية على مدفعية الجيش البرتغالي مع مهارة في التصويب والدقة .
5- وكانت خيل المسلمين أكثر من خيل النصارى ويلائمها السهل الذي انتقاه السلطان للمعركة .
6- وكان سبستيان في جانب ومستشاروه وكبار رجالاته في جانب آخ
من نتائج معركة وادي المخازن:
------------
1• تحتل معركة وادي المخازن مكانة في الصِّراع الطويل بين الإسلام والنَّصرانية، ففي الوقت الذي كان يظهر فيه العالم الإسلامي تحت قيادة الدَّولة العثمانية قويًّا بالجناح الشرقي في مجابهته للعالم النصراني، الذي كانت تمثله أسرة النمسا الإمبراطورية، ويفوز في كثير من الأحيان بانتصارات باهرة، نجده في الجناح الغربي يعاني شيئًا غير قليل من الضَّعف؛ إذ كان يلتزم مواقفَ الدِّفاع السلبية، فجاء الانتصار المغربي في معركة وادي المخازن؛ ليرد للغرب الإسلامي بعض هيبته، ويرفع من سمعة المغرب، ويضع حدًّا بصفة نهائية للمشاريع الصليبية.
2• كتبت المعركة صفحة ناصعة للعسكريَّة المغربية الإسلامية، وأثبتت لأوربا النصرانية أنَّ أرض المغرب مقبرة للغُزاة.
3• جنى المولى أحمد أُولى ثَمَرات النصر؛ إذ آل إليه الحكم عشية يوم المعركة، وتلقب بلقب المنصور بالله.
4• زاد تسليح الجيش السعدي بما غنمه من أسلحة العدو، كما تدفقت النقود الذهبيَّة والفضية على الخزينة السعدية ، مقابل فك أسرى المعركة.
5• اكتسب المغرب سمعة طيبة في العالم الإسلامي، وهيبة في العالم النَّصراني الأوربي، كما توافدت عليه سفارات التهنئة بالنصر، وسفارات كسب الوُدِّ والصداقة وحسن الجوار.
6• فقدت البرتغال استقلالها ومستعمراتها؛ إذ احتلتها إسبانيا؛ نظرًا لضعف البرتغال بعد المعركة، وعدم وجود وريث للعرش. وحتى "هنري تيراس" - المؤرخ الحاقد على الإسلام والمسلمين، الذي أظهر كثيرًا من التحفُّظ فيما يخص أهمية الحدث - لم يتمالك نفسه عن الاعتراف بانعكاساته الخطرة على المستوى الأوربي، وذلك حين يقول: "إنَّ انتصار المغرب على البرتغال في معركة واحدة خوَّله سُمعة دولة كبيرة، فربطت البلاطات الأوربيَّة العلاقات معه وطلبت - في بعض الأحيان - مساندته، وقد استفاد أبو العباس أحمد من هذا الخطأ في التقدير بأوربا، وكان لمعركة الملوك الثلاثة أثرها في إضفاء مجد مبالغٍ فيه على الدولة السعدية، حتَّى في وقت تدهورها"....
د. صالح العطوان الحيالي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصدقاء السوء وصفاتهم وطرق الابتعاد عنهم// بقلم الدكتور صالح العطوان الحيالي الحيالي

ابطال منسيون "ابو محمد عبدالله البطال " ــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق -28-12-2018 رأس الشجعان والأبطال أبو محمد عبد الله البطال ، وقيل : أبو يحيى من أعيان أمراء الشاميين . وكان شاليش الأمير مسلمة بن عبد الملك ( معنى شاليش معناه: الراية الكبيرة وعليها خَصلة من شعر الخيل، يرفعها حاملها في مقدمة الجيش.)، وكان مقره بأنطاكية ، أوطأ الروم خوفا وذلا . ولكن كذب عليه أشياء مستحيلة في سيرته الموضوعة . وعن عبد الملك بن مروان أنه أوصى مسلمة أن صير على طلائعك البطال ، ومره فليعس بالليل ، فإنه أمير شجاع مقدام . عُرف عن ابن بطال أنه من الأبطال المعدودين والشجعان الموصوفين، وقد نسجت حوله كثير من الأساطير، لكن ما صح عنه أن الروم كانت تخشاه وتخافه من فرط شجاعته. وفتح الله على يديه كثير من المدن الرومية؛ ففي سنة ثمان ومائة غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم، وبعث البطال على جيش كثيف، فافتتح جنجرة وغنم منها شيئًا كثيرًا. وفي أربع عشرة ومائة فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وعلى اليمنى سليمان بن هشام بن عبد الملك، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام: وفيها التقى عبد الله البطال وملك الروم المسمى فيهم قسطنطين، وهو ابن هرقل الأول الذي كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأسره البطال، فأرسله إلى سليمان بن هشام، فسار به إلى أبيه. ووصفه صاحب النجوم الزاهرة بأنه كان أحد أمراء بني أمية، وكان على طلائع مسلمة بن عبد الملك بن مروان في غزواته، وكان ينزل بأنطاكية، وشهد عدة حروب وأوطأ الروم خوفًا وذلًّا عبد الله البطال (توفي عام 740م الموافق 122هـ) مجاهد مسلم ظهر في الحروب الإسلامية البيزنطية في بدايات القرن الثامن الميلادي، شارك في عدة حملات قادتها الدولة الأموية ضد الإمبراطورية البيزنطية. الحقائق التاريخية حول سيرته نادرة، لكنها نمت بعد وفاته وأصبح أسطورة شعبية، وأصبح شخصية شهيرة بارزة في الملاحم الأدبية التركية والعربية كبطال غازي. اختلف المؤرخون في نسبه، فقيل: هو أبو محمد البطال. وقيل: أبو يحيى، واسمه عبد الله. نشأته ونسبه ــــــــــــــ هو عبد الله بن عمرو بن علقمة البطّال الملقب بالأنطاكي لأن مقرّه كان بأنطاكية، أحد القواد العرب الشجعان المشهورين في العصر الأموي، وأحد رؤساء عرب الجزيرة الذين كانوا يغزون ثغور الروم، ولا تذكر كتب التاريخ سنة مولده وإن كان أكثرها يحدد سنة وفاته، واختلف المؤرخون في كنيته فهو أبو محمد وأبو يحيى أو أبو الحسين، وإن لم يختلفوا في ذكر سيرته والأحداث التي مرّت معه لا يعرف عن نشأته وحياته المبكرة شيء، ويدعى "عبد الله أبو الحسين" (وفي روايات مختلفة: أبو محمد، أبو يحيى) الانطاكي، نسبة إلى مدينة أنطاكية وغير أنطاكية مدينة دمشق، وذكر ابن حجر العسقلاني أنه وعبد الوهاب بن بخت من موالي بني أمية. ونسبته "الأنطاكي" بدلاً من أن ينسب لقبيلة ما ويوحي هذا أنه ليس عربي النشأة. اقترح خالد يحيى بلانكنشب بأنه ربما يكون نفس الشخص "عمرو" الذي سجل اسمه المؤرخ البيزنطي تيوفان المعرف في حملة نيقية 727م، وبالتالي "عمرو" ربما يكون اسمه الحقيقي أو اسم والده (ويكون:عمرو بن عبد الله أو عبد الله بن عمرو) وربما يكون اسم عبد الله تشريفي. سيرته ـــــــــ يُعتقد أن البطال أشترك في في حصار القسطنطينية (717-718). وفقاً للمصادر التاريخية (المؤرخان: اليعقوبي ومحمد بن جرير الطبري) ظهر البطال لأول مرة 727م، في واحدة من الغارات السنوية ضد الأناضول البيزنطي، قاد هذه الحملة معاوية بن هشام ابن الخليفة هشام بن عبد الملك (حكم من 723م – 743م). قاد البطَال طليعة الجيش وسيطر على مدينة خنجره، قبل أن يدخل الجيش في حصار نيقية (727) الغير ناجح. يعتبر بلانكنشب أن سيطرة البطال على خنجره تعتبر واحدة من أعظم نجاحات الأمويين ضد البيزنطيين في هذه الفترة، إلى جانب سيطرة مسلمة بن عبد الملك على قيصرية في 726م. قاد البطال غارة أخرى لا يُعرف عنها الكثير في (731م – 732م). ولم تكن موفقة وذُكر أنه توفي فيها الأمير العربي عبد الوهاب بن بخت. في العام التالي 115 هـ تولى البطال قيادة جزء في حملة إلى جانب معاوية بن هشام ودخلوا أفيون قره حصار في فريجيا. حاول الجيش البيزنطي التصدي للمسلمين، ولكن البطال هزمهم، وأسر قسطنطين وذلك حسب المصادر الإسلامية وتقول المصادر البيزنطية أن الذي أسره البطال هو شخص كان يدعي العرش البيزنطي. التراث ـــــــــــ يــــــــــعتبر بلانكنشب أن سيطرة البطال على خنجره تعتبر واحدة من أعظم نجاحات الأمويين ضد البيزنطيين في هذه الفترة، إلى جانب سيطرة مسلمة بن عبد الملك على قيصرية في 726م. قاد البطال غارة أخرى لا يُعرف عنها الكثير في (731م – 732م). ولم تكن موفقة وذُكر أنه توفي فيها الأمير العربي عبد الوهاب بن بخت. في العام التالي 115 هـ تولى البطال قيادة جزء في حملة إلى جانب معاوية بن هشام ودخلوا أفيون قره حصار في فريجيا. حاول الجيش البيزنطي التصدي للمسلمين، ولكن البطال هزمهم، وأسر قسطنطين وذلك حسب المصادر الإسلامية وتقول المصادر البيزنطية أن الذي أسره البطال هو شخص كان يدعي العرش البيزنطي. د منه بالضرب ورده إلى القسطنطينية؛ وعبد الله البطال، وعمرو بن عبد الله، وعلي بن يحيى الأرمني...» ذكر ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق الكثير من الروايات حول البطال منها: ذكر البيزنطيين اسمه لتخويف الأطفال، ودخوله عمورية وتظاهره بأنه رسول وكشفه خططهم، ودخوله دير فيه نسوة (تزوج احداهن لاحقاً) وقتله أحد البطارقة. ومقابلته الإمبراطو ليو ووفاته وطلبه منه أن يدفنه من معه من أسرى المسلمين، ففعل الملك. ومن ناحية أخرى بداية بابن عساكر ومعاصره السموأل بن يحيى المغربي انتقد الكثير من المؤرخين المسلمين مختلف الافتراءات أدخلت في حسابات حياة البطال. ويقول الذهبي: «إن القُصّاص حكوا عنه ـ أي البطال ـ من الخرافات ما لا يليق». وقال ابن كثير بعد حديثه عن البطال: «وأما ما يذكر العامة عن البطّال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة (ذات الهمّة) والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وجهل وتخبط فاحش». وقال ابن كثير بعد أن لخص سيرته في كتابة البداية والنهاية: «وأما ما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة، والبطال، والأمير عبد الوهاب، والقاضي عقبة فكذب وافتراء، ووضع بارد، وجهل كبير، وتخبيط فاحش، لا يروج ذلك إلا على غبي أو جاهل ردي، كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسي المكذوبة، وكذلك سيرة البكري، والدنف وغير ذلك، والكذب المفتعل في سيرة البكري أشد إثما وأعظم جرما من غيرها; لأن واضعها يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.» أعمال عنه ـــــــــــ استغل اسم عبد الله البطال في عملين الأول في اللغة العربية (سيرة ذات الهمة والبطّال) أو دلهمه والثاني في الملحمة الأدبية التركية الشعبية سيد بطال غازي. وعلى الرغم من أن كلاهما تم تأليفهما في القرن الثاني عشر ورسما على تقاليد عربية، فهما يعرضان فروقات هامة، فالرواية التركية تتضمن العديد من التأثيرات الفارسية والتركية، بما فيها العناصر الخارقة من التقاليد الشعبية أو زخارف من الشاهنامه ورواية أبو مسلم.كل من الروايات تضع البطّال في منتصف القرن التاسع الميلادي وتربطه بملطية وأميرها عمر الأقطع (المتوفى:863م) ونتيجة لذلك أصبح مرتبطاً بشكل خاص مع مدينة ملاطية وما حولها. أخذ الصحصاح بطل قبيلة بني كلاب دور البطّال الخاص في الحروب الأموية ضد البيزنطيين في دلهمه. وفي هذه الروايات ظهر البطال كبطل إسلامي وأصبح يشبه فيها أوديسيوس (المشهور بالمكر والدهاء) في الدهاء.واعتبره الأتراك رمزاً بارزاً في فتوحاتهم للأناضول بعد فتح ملطية 1102 على يد الدانشمنديين. عُمل على قصصه (بالتركية:Battalname) في عهد السلاجقة والعثمانيين، وأصبح موضوعاً لمجموعة كبيرة للعديد من الحكايات الشعبية. ويرفع العلاهيون والبكتاشية من قدره ويسمونه بالسيد، وللبطال مزار في مدينة سيد غازي-التي سميت باسمه-، ويأتيه الزوار من مناطق بعيدة مثل آسيا الوسطى حتى أوائل القرن 20 عبدالله بن عمرو بن علقمة البطّال الملقب بالأنطاكي لأن مقرّه كان بأنطاكية، أحد القواد العرب الشجعان المشهورين في العصر الأموي، وأحد رؤساء عرب الجزيرة الذين كانوا يغزون ثغور الروم، ولا تذكر كتب التاريخ سنة مولده وإن كان أكثرها يحدد سنة وفاته واختلف المؤرخون في كنيته فهو أبو محمد وأبو يحيى أو أبو الحسين، وإن لم يختلفوا في ذكر سيرته والأحداث التي مرّت معه. رُوي أن الخليفة الأموي عبد الملك حين عقد لابنه مَسْلَمة على غزو بلاد الروم ولّى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطّال، وقال لابنه: «سيّره على طلائعك ومره فليعسّ بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع» فكان تحت إمرة البطّال عشرة آلاف من المحاربين جعلهم ترساً ما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم. شهد البطّال عدة حروب، وأوطأ الروم خوفاً وذلة، فكانت الروم تهابه هيبةً شديدة. وتذكر قصص التاريخ عن شجاعته وجرأته ومغامراته في بلاد الروم حكايا غريبة لا تكاد تُصَدّق، إذ كان البطال ذا قلبٍ جريء لا يهاب، وكان يقول: «الشجاعة صبر ساعة»، وكان يساعده في ذلك معرفة بلغة الروم فقد كان يتكلمها كأحد أبنائها. واشتهر أمره بين الروم فهابوه حتى صارت الأمهات الروميات يخفن أطفالهن به، ويروى أن رجالاً من جيش المسلمين توغلوا في أرض الروم ولم تعرف أخبارهم، فسار البطّال وحيداً إلى أرض الروم لإنقاذهم، ووقف على باب عمورية وادّعى أنه سياف ملك الروم ورسوله إلى بطريق المدينة ففتحت له الأبواب، ولما وصل إلى البطريق طلب إليه أن يخرج من في المجلس، فلما فعل كشف البطّال عن شخصيته وهدد البطريق بالسيف وأمره أن يُصدقه القول في أمر السرية المسلمة، فأخبره البطريق أنهم توغلوا في البلاد وملؤوا أيديهم بالغنائم، وسمى له الوادي الذي وصلوا إليه، فغمد البطّال سيفه وطلب الأمان ثم تناول طعاماً، ولمّا خرج من عند البطريق لم يكشف هذا عن شخصية البطّال، بل أمر الناس أن يفسحوا الطريق لرسول الملك، واستطاع البطّال أن يصل إلى السرية ويخرج بأفرادها بما غنموا إلى منطقة لاتتبع الروم، وتزوج إحدى الروميات السبيات وهي أم أولاده، وكان أبوها بطريقاً كبيراً. كان البطال شديد الإيمان، يسأل دائماً الله الحج ثم الشهادة، ولم يتمكن من الحج إلا في السنة التي استشهد فيها. ويروى أن الملك ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية لغزو بلاد العرب ...فكتب بذلك البطريق - أبو زوجة البطال إلى صهره. فخبّر البطّال بذلك عساكر المسلمين، وأشار على القائد مالك بن شبيب أن يتحصن الجنود في حرّان، وهي إحدى مدن الروم المخرّبة وذلك حتى يصل قائد الخليفة سليمان بن هشام، ولكن مالكاً بن شبيب أبى عليه ذلك ودهم جيش الروم، فاضطر البطّال إلى خوض المعركة مع الجيش بعد أن وصّى ألا يلفظ أحد اسمه، واتفق أن ناداه أحدهم خطأ فعرفه الروم، وحملوا عليه، وقتلوا من حوله، وانكسر المسلمون، وقُتل مالك بن شبيب فيمن قُتل، ولما مالت الشمس رأى الملك أن يرجع إلى المعسكر ليدهم من تبقى من المسلمين في يومه التالي، وهنا أمر البطّال منادياً يدعو الناس إلى الذهاب إلى قرية سنّادة ليتحصنوا فيها على ألا يتركوا جريحاً أو ضعيفاً في ميدان المعركة، وأوهم الجيش أنه سينسحب معهم، وبقي في قلّة في ميدان المعركة ليؤخر وصول جيش الروم. ولما نشب القتال في اليوم التالي استبسل البطال حتى جرح ووقع، فقال له الملك: أبا يحيى كيف رأيت؟ قال: ما رأيت كذلك، الأبطال تَقْتُل وتُقتَل» فأمر الملك ليون الذي كان معجباً بشجاعة البطّال أن يؤتى له بالأطباء، فأخبروه أن جراحه مميتة، فسأل الملك البطال: «هل من حاجة؟» قال: نعم، تأمر من لديكم من أسرى المسلمين بتكفيني والصلاة عليّ ودفني وتخلّي سبيل من ثبت عندي، ففعل الملك،وكانت جيوش الخليفة قد وصلت، فسار ليون إلى القسطنطينية وتحصّن بها. وقد اقترن اسم البطّال باسم صديق له في التاريخ وفي القصة الشعبية التي وردت على لسان الناس بعد ذلك، وهو أبو عبيدة عبد الوهاب بن بخت مولى آل مروان، وقد وصف بأنه كان كثير الحج والعمرة والغزو، وأكثر الروايات التاريخية تجعل موت البطّال في السنة ذاتها التي مات فيها صديقه أبو عبيدة. البطّال في السيرة الشعبية: في عصر الدول المتتابعة زاد ميل الشعب إلى الأساطير البطولية، وظهر أدب السيرة الشعبية الذي يمثل الحياة التي يتمناها الناس والتي يسودها العدل والصدق وينتصر فيها العرب وما يؤمنون به على أعدائهم أكانوا من أولئك في الداخل الذين يصانعون العدو أم من أعداء البلاد في الخارج. وقد حدا ذلك القصاصين إلى التطلع إلى التاريخ يستمدون منه شخصيات الأبطال ذات الصلة بالواقع، ثم يمزجون بين الأسطورة والتاريخ. وقد استهوت سيرة البطّال وصديقه عبد الوهاب وشجاعتهما عامة الناس الذين يولعون عادة بالغرائب والبطولات فيما يخص الرجال الذين أوتوا من القدرات ما يفتقر إليه البشر العاديون، وقد ورد ذكر لقصة البطال الشعبية عند المقري وفي تاريخ الذهبي الذي يقول: »إن القُصّاص حكوا عنه ـ أي البطال ـ من الخرافات ما لا يليق . أما ابن كثير فيورد بعد حديثه عن البطال القائد الأموي: وأما ما يذكر العامة عن البطّال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة (ذات الهمّة) والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وجهل وتخبط فاحش». وقد حملت القصة الشعبية عن البطال اسمه في البدء ثم حوّل القصاصون العنوان إلى ذات الهمة. ومع موقف المؤرخين من الأدب الشعبي عامة فقد انتشرت بين طبقات الشعب السير التي تتحدث عن الأبطال. وقد استهوت سيرة البطال الأتراك وهم الذين حاربوا الروم وفتحوا القسطنطينية فظهر بينهم بطل اسمه (سيد بطّال) وقبره في سيد غازي جنوب إسكي شهر، وقد ألفت حول حياته سيرة شعبية تختلف عن السيرة الشعبية العربية درسها المستشرق فليشر. ويبدو أن هذا اللقب حمله آخر ورد اسمه في كتب التاريخ المتأخرة كتاريخ الجنابي واسمه أبو محمد جعفر بن السلطان حسين بن ربيع بن عباس الهاشمي ذكروا أنه ولد بملطية وكان على قيد الحياة سنة 1000هـ ويبدو أن هؤلاء المؤرخين تأثروا بالقصة الشعبية التركية سيد بطّال وفاته ـــــــــ لقد تمنى عبد الله البطال الحج والشهادة راجيًا من الله أن ينالهما وشاءت إرادة الله أن يكتب له الحج والشهادة في عام واحد فبعد إقفاله من الحج عاد إلى الثغور؛ ليكون في طليعة المجاهدين وليفوز بالشهادة التي طالما تمناها، وخاض من أجلها كثير من الحروب. وسبب شهادته -كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية- أن ليون ملك القسطنطينية قد خرج في ألف فارس يريد المسلمين فأرسل البطريق إلى البطال، وكان البطال متزوج بابنة البطريق يخبره بخروج ليون، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، وكان الأمير مالك بن شبيب، وقال له: المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالاً شديدًا والأبطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفًا عليه من الروم، فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطًا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها، وأصبح ليون فوقف على مكان المعركة فإذا البطال بآخر رمق، فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الأبطال، فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه فإذا جراحه قد وصلت إلى مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يلوا غسلي والصلاة عليَّ ودفني. ففعل الملك ذلك، وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، وانطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة والحصار إذ جاءتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هاربًا راجعًا إلى بلاده، قبحه الله، فدخل القسطنطينية وتحصن بها. قال خليفة بن خياط: كانت وفاة البطال ومقتله بأرض الروم في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقال ابن جرير: في سنة ثنتين وعشرين ومائة. وقال ابن حسان الزيادي: قتل في سنة ثلاث عشرة ومائة، قيل وقد قاله غيره وإنه قتل هو والأمير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشرة ومائة كما ذكرنا ذلك فالله أعلم، ولكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته إلا في هذه السنة، فالله أعلم قال رجل : عقد مسلمة للبطال على عشرة آلاف ، وجعلهم يزكا وعن ابن مروان عن البطال ، قال : اتفق لي أنا أتينا قرية لنغير ، فإذا بيت فيه سراج وصغير يبكي ، فقالت أمه : اسكت ، أو لأدفعنك إلى البطال فبكى فأخذته من سريره ، وقالت : خذه يا بطال فقلت : هاته . وجرت له أعاجيب وفي الآخر أصبح في معركة مثخونا وبه رمق فجاء الملك ليون ، فقال أبا يحيى : كيف رأيت ؟ قال : وما رأيت ؟ كذلك الأبطال تقتل وتقتل ، فقال : علي بالأطباء ، فأتوا فوجدوه قد أنفذت مقاتله ، فقال : هل لك حاجة ؟ قال : تأمر من يثبت معي بولايتي وكفني والصلاة علي ثم تطلقهم ، ففعل . قتل سنة اثنتي عشرة ، وقيل : سنة ثلاث عشرة ومائة . ظهر البطال آخر مرة في حملة كبيرة فيها عشرات الآلاف من الرجال من الجيش الأموي ضد البيزنطيين إلى جانب مع مالك بن شعيب، نائب حاكم ملطية، قاد البطال قوة من الفرسان قوامها 20000 في حين سليمان بن هشام قاد القوة الرئيسية التي تقف وراءها. وصلت قوة البطال وقوة مالك حتى أكرونيون المعروفة اليوم بأفيون قره حصار، ولكن تواجه وهُزم من قبل البيزنطيين بقيادة الإمبراطور ليو (الحاكم من: 717م - 741م) وولده قسطنطين في معركة أفيون قره حصار. لقى فيها جميع القواد المسلمين وثلثي الجيش حتفهم.