الاهتمام بدراسة التراث المكتبي وتأصيله د. صالح العطوان الحيالي الحيالي

الاهتمام بدراسة التراث المكتبي وتأصيله
ــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي - العراق- 1-6-2018
الكتاب هو وعاء المعرفة؛ ولذلك فقد اهتم الإنسان منذ القدم بإنشاء خزائن للكتب أو المكتبات لتجميع التراث الإنساني الذي تمثل في الكتب، وتنظيمه والحفاظ عليه، وتيسير الإفادة منه. وقد بدأ فجر المكتبات الإسلامية في البزوغ منذ مرحلة مبكرة، حيث كان للمسلمين ولع شديد بالكتب واقتنائها مما أدى إلى انتشار المكتبات في طول البلاد وعرضها، فالمكتبة الإسلامية كانت إحدى نتائج الحضارة الإسلامية المتميزة، وكانت في الوقت نفسه عاملاً مساعداً على نشر تلك الحضارة
الاهتمام بدراسة التراث المكتبي وتاصيله ومن خلاله نتوصل الى الماضي الذي نهتدي من خلاله للمستقبل .إن كل فكر قادر على التغيير هو فكر يبدأ بقراءة معاصرة للتراث؛ فدراسة التراث هي دراسة لبناء الحاضر واستشراف المستقبل.وعلى هذا يتعين علينا الاهتمام بدراسة تراثنا المكتبي وتأصيله؛ كي نعرف ماضينا الذي نهتدي من خلاله لمستقبلنا. إن التأريخ لنشأة المكتبات الإسلامية ودراسة أوضاعها، إنما هو تاريخ للحضارة الإسلامية التي قامت على حب العلم وتقدير العلماء.
مع الاستفادة من علوم ومعارف الآخرين؛ بُغية الوصول إلى منظومة علمية شاملة ومنهجية متكاملة تقدم كل ما هو نافع ومفيد من تراث إنساني للبشرية جمعاء.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف الأسمى، سعى الخلفاء ومحبو العلم في مختلف العصور، على جمع كل ما تقع عليه أيديهم من كتب ومخطوطات في أماكن أطلقوا عليها خزائن الحكمة أو بيوت الحكمة أو دُور العلم... ومهما اختلفت هذه التسميات، فإنها اتفقت في أن الجزء الرئيسي منها كان الكتب والمراجع والمخطوطات؛ حيث قامت هذه المكتبات بدور رئيسي في بناء الحضارة.ونشر الثقافة والعلوم، وتوطيد الصلات العلمية بين أفراد المجتمع المسلم من ناحية، وبينهم وبين الشعوب والأمم المختلفة من ناحية أخرى؛ إذ إن هذه المكتبات لم تكن أماكن لاقتناء الكتب فقط.
بل كانت أيضًا منارات وجامعات لنشر العلم والثقافة تضم الدروس الدينية والأدبية والعلمية؛ حيث يجلس فيها القراء والفقهاء واللغويون والأطباء والفلاسفة وغيرهم في مكان واحد. يحملون هدفًا واحدًا هو نشر العلم والثقافة، في جو ساده التسامح والحوار البنّاء وحرية البحث العلمي.
مكتبة بيت الحكمة في بغداد:
ــــــــــــــــــــــــــــ كانت مكتبة بيت الحكمة التي أسسها العباسيون بـ"بغداد" أول صرح ثقافي أقامه المسلمون، كما كانت أعظمها شأنًا وأكثرها أثرًا؛ لما حوته من الكتب النفيسة والمخطوطات النادرة في شتى العلوم والمعارف بمختلف لغات ذلك العصر.
وترجع النواة الأولى في وضع لبنات هذا الصرح الثقافي الكبير إلى خلافة أبي جعفر المنصور، الذي كان أول خليفة عباسيٍّ اهتم بالعلوم بعدما رأى اختلاط العرب بالفرس والروم. وأن الحاجة تدعو إلى "معرفة علوم الفرس واليونان، فوجّه اهتمامه إلى ترجمة الكتب من اللغات الأعجمية إلى اللغة العربية، من كتب في الفلك والرياضيات والطب والأدب، كما بدأ في عهده التدوين في الفقه والحديث والتفسير والتأريخ".
فقد جمع المنصور هذه الكتب في خزانة كانت النواة الأولى لمكتبة بيت الحكمة.
إلا أن الازدهار الحقيقي لهذه المكتبة يرجع للخليفة هارون الرشيد، الذي رأى بعد أن كثر عدد العلماء في بغداد أن ينشئ لهم بيت الحكمة، ليكون بمنزلة أكاديمية علمية يجتمع فيها المعلمون والمتعلمون على حد سواء. كما حرص الرشيد على تزويدها بالكتب التي نقلت من بلاد الروم والقسطنطينية ومصر والشام.
كما أضاف لها خزائنه مما اجتمع لديه من كتب، فاتسعت خزانة الحكمة، التي صار لها أقسام متعددة لكل منها مَن يقوم بالإشراف عليه، ولها مَن يتولى ترجمة الكتب المختلفة إلى العربية..فكان يوحنا بن ماسويه يتولى أمر الكتب التي أمر الرشيد بنقلها من بلاد الروم بعد أن فتحها، وجعله الرشيد أمينًا على ترجمة تلك الكتب وكان أكثرها في الطب، وعين له كتّابًا مهرة لمساعدته...وكان أبو الفضل بن نوبخت الفارسي يقوم بترجمة كتب الحكمة الفارسية إلى العربية، كما أصبح لبيت الحكمة مجلدون يجلدون الكتب، ويعتنون بزخرفتها وتنميقها.
وفي عهد المأمون بلغ الاهتمام ببيت الحكمة ذروته، حيث عمل المأمون على توسيع بيت الحكمة بزيادة عدد كتبها وبما يرد من كتب عديدة من بلاد الروم وغيرها.
كما أرسل البعوث إلى القسطنطينية لإحضار المصنفات الفريدة في الفلسفة والهندسة والموسيقى والطب... ويروي ابن النديم: "أن المأمون كان بينه وبين إمبراطور الروم مراسلات، فكتب إليه يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة ببلاد الروم.فأجابه إلى ذلك بعد امتناع، فعهد المأمون إلى الحجاج بن يوسف بن مطر، وابن البطريق وغيرهما بإحضار بعض الكتب من القسطنطينية، وبعد أن عادوا إليه مزوّدين بالكتب التي وقع اختيارهم عليها، أمرهم بنقلها إلى العربية".
هذا وقد أنشأ المأمون إلى جانب مكتبة بيت الحكمة معهدًا رسميًّا للترجمة، ويعد هذا المعهد من وجوه كثيرة، أعظم المعاهد الثقافية التي نشأت بعد مدرسة الإسكندرية التي تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد زمن الإسكندر المقدوني. وقد تُرجم في عهده الكثير من الكتب اليونانية نذكر منها؛ "الحكم الذهبية لفيثاغورث، وبعض المصنفات لأبقراط وجالينوس في الطب، وكتاب السياسة والمدينة لأفلاطون.
وكتاب المقولات والطبيعيات لأرسطو". كما جعل المأمون من مكتبة بيت الحكمة مجمعًا كبيرًا لنشر الثقافة والعلم بين الناس؛ إذ إنه يسَّر لطلاب العلم الاطلاع على الكثير من مؤلفات علماء وفلاسفة اليونان منقولة إلى اللغة العربية، كما اهتم المأمون بختم الكتب الهامة بخاتمه، حتى تكون في مأمن من السرقة.
وفي عهد الخليفة المتوكل تم تجديد مدرسة الترجمة ومكتبتها في بغداد.
وقد تركت مكتبة بيت الحكمة أثرًا كبيرًا لدى العديد من الوزراء والكبراء، الذين حرصوا على إنشاء خزائن ومكتبات خاصة وعامة أسوة بمكتبة بيت الحكمة. فأنشأ علي بن يحيى المنجم خزانة للحكمة أقامها في ضيعته بـ"كركر" من نواحي "القفص" في بغداد، وهي خزانة كتبٍ عظيمة قصدها طلاب العلم يقيمون ويتعلمون فيها-على نفقته- صنوف العلم والأدب، مبذولة لهم الأرزاق، مغدقة عليهم العطايا.
وكذلك الأمر بخزانة الوزير الفتح بن خاقان، الذي اشتهر بولعه بالكتب وجمعها، حتى توفرت لديه مكتبة من أكبر المكتبات في عصره... وقد استوزره المتوكل، وقيل عن شدة شغفه بالقراءة والاطلاع: "إذ كان جالسًا في قصر المتوكل وأراد أن يقوم إلى المتوضأ، أخرج من سلق موزته كتابًا لطيفًا، فلا يزال يطالعه في ممره وعوده، فإذا وصل الحضرة الخليفية أعاده إلى ساق موزته".
كما عُرف بشدة حبه للعلماء، فقد كان راعيًا لهم؛ إذ يحضر داره فصحاء العرب وعلماء الكوفة والبصرة الذين كانت له مواقف معهم تدل على سمو منزلته من العلم، الأمر الذي دعا الكثير من الكتّاب المرموقين في ذلك العصر، أن يؤلفوا الكتب ويجعلوا إهداءها إليه.
وكذلك الشأن بمكتبة دار العلم التي أنشأها أبو القاسم جعفر بن محمد بن ظهر في الموصل، وجعل فيها وقفًا على كل طالب علم لا يمنع أحد من دخولها، وإذا جاءها غريب يطلب العلم والأدب وكان معسرًا أعطاه كتبًا ونقودًا. وأيضًا خزانة الوزير مؤيد الدين بن القصاب الذي نشأ مشتغلًا بالعلم والأدب.
وقد قادته محبته للعلم والأدب إلى إنشاء خزانة للكتب أوقف على طلاب العلم الكثير منها، وكتب نص الوقفية بخطه. هذا إلى جانب العديد من المكتبات الأخرى التي كان لها أيدٍ بيضاء على مسيرة العلم في ذلك الزمان. وكان من ثمارها الطيبة تقريب العلم من نفوس محبيه، وكان لها أيضًا أثرها الحضاري الرائع في الحث على الاستزادة من العلوم وبث المعارف بين الناس.
مكتبة بيت الحكمة بالقاهرة:
ــــــــــــــــــــــــــــ كانت المكتبات في الحضارة الإسلامية، منارات وجامعات لنشر العلم والثقافة؛ يجلس فيها القراء والفقهاء واللغويون والأطباء والفلاسفة في مكان واحد، يحملون هدفًا واحدًا هو نشر العلم والثقافة، في جو ساده التسامح والحوار البنّاء وحرية البحث العلمي.
لقد أنشئت هذه الدار في عهد الحاكم بأمر الله العبيدي (الفاطمي) عام 395هـ، ويقول المؤرخ الكبير أحمد بن علي المقريزي حول إنشاء هذه الدار: "إن الحاكم بأمر الله نقل إليها من كتب قصره وخزائن القصور المهجورة ما يقدر بستمائة ألف مجلد، منها مائة ألف مجلد بديعة الخط والتجليد".
وزاد المقريزي: "لقد أعطى الحاكم بأمر الله جُلّ اهتمامه لبناء هذه الدار، وكان له فيها مكان خاص، وقد فرشت المكتبة كأحسن ما يكون من الفرش، وعني بفرشها وزخرفتها وزين أبوابها وحجراتها بأنفس الستائر، وكسيت أرضيتها بالبسط والطنافس وزينت الجدران بخرائط قماشية عليها أقاليم الأرض، وعين لها القوم والخدم.
وكان عدد الجزأين فيها أربعين خزانة تتسع الواحدة منها لنحو ثمانية عشر ألف كتاب، وكانت الرفوف مفتوحة والكتب في متناول الجميع، ويستطيع الراغب أن يحصل على الكتاب الذي يريده بنفسه ما تيسر له ذلك، فإذا ضلّ الطريق استعان بأحد المناولين".
كما كانت دار الحكمة مقسمة إلى عدة أقسام؛ فقسم للفقهاء، وقسم لقراء القرآن الكريم، وقسم للفلكيين، وقسم لأصحاب النحو واللغة، وقسم للأطباء، إلى جانب عدة قاعات للمحاضرات والمناقشات والمناظرات، حيث كان الحاكم بأمر الله يحضر كثيرًا من هذه المناظرات في الدار.
كما رتب الحاكم للمقيمين بالمكتبة والباحثين أيًّا كان مجال اهتمامهم وأيًّا كانت جنسياتهم، مكافأة شهرية عرفت بـ"الجوائز السنية".تدفع لهم من خزانة بيت مال المسلمين وليس من مال الوقف. كما أباح الحضور إلى دار الحكمة لجميع الراغبين على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم لتلقي الدروس والقراءة والنسخ والنقل والاستعارة، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه. كما كان بها مكان للإقامة والضيافة لمن يرتحلون إليها مسافات بعيدة. وظلت دار الحكمة بفضل أساتذتها المشهورين وما كان لها من مناهج متنوعة جمعت بين الدراسة العلمية والفقهية، تؤدي رسالتها العلمية حتى نشبت الحرب الداخلية في عهد المستنصر بالله. وكان ذلك بداية المحنة التي نكبت بها الدار وسائر المكتبات الأخرى في ذلك العهد؛ "حيث فقدت المكتبة أعدادًا هائلة من الكتب والمصادر الثمينة من المخطوطات النادرة، حيث كان بها 6500 مخطوطة في الرياضيات، و18000 في الفلسفة.
وكان فيها نسخ متعددة من العمل الواحد منها 1200 نسخة من تاريخ الطبري، و1800 نسخة للخليل بن أحمد الفراهيدي من بينها نسخة بخط الخليل نفسه، وكانت الخسارة العلمية أكبر من أن تعوض، إذ استولى الجند والأمراء على نفائس الكتب، كما تفرقت أكبر محتوياتها".
مكتبات الأندلس:
ــــــــــــــــــــــ لقد قامت في قرطبة في عهدي الخليفتين عبد الرحمن الناصر الأموي وابنه المستنصر نهضة ثقافية كبرى، وظهر ذلك جليًّا باهتمامهم بإنشاء المكتبات التي بلغت في عظمتها وتأثيرها الثقافي، أشهر مكتبات ذلك العصر في بغداد والإسكندرية والقيروان.
وقد حظيت هذه المكتبة برعاية ودعم الخلفاء والأمراء من بني أمية، حيث كانوا يشجعون العلماء والأدباء وأرباب الفكر في أي مكان ويغدقون عليهم العطايا والهبات، حتى تم لهم استقطاب كل حركة علمية وفكرية بزغت في أي بلد من البلدان بتشجيع أهلها بالهجرة إلى الأندلس، حتى غدت قرطبة-خلال هذه الفترة- مهرجانًا علميًّا وصرحًا ثقافيًّا كبيرًا يموج بالعلماء والأدباء والمفكرين في شتى المجالات.
وقد أشار ابن سعيد إلى أن مكتبة كبرى للأمويين أسست في قرطبة في عهد الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأوسط، وقد زودها بكتب كثيرة اشتراها من المشرق الإسلامي.
وعلى ما يبدو أن هذه المكتبة كانت النواة الأولى لمكتبة الخلافة الأموية في قرطبة التي تألقت في القرن الرابع الهجري، حيث أَولى الخليفة الناصر وابنه الحكم جُلّ اهتمامهما وعظيم رعايتهما لها... فإن شغفهما الكبير بجمع الكتب قد بلغ الآفاق ووصل إلى مسامع الناس في كل مكان...
فها هو الإمبراطور قسطنطين السابع حاكم بيزنطة، لم يجد شيئًا يتقرب به إلى قلب الناصر حينما عزم على عقد معاهدة معه سوى أن يهديه كتابًا جديدًا لم يعرف من قبل وهو كتاب "ديوسفوريدس" في الطب، وجاءت رسله إلى قرطبة تحمل ذلك الكتاب في مجلد جميل مكتوبًا باللغة الإغريقية، وقد ذُهّبت حروفه وزُينت صفحاته بالرسوم الجميلة لبعض النباتات والأشجار التي ورد ذكرها في الكتاب..
ولم يكتف إمبراطور بيزنطة بذلك، بل قد أرسل بعد ذلك "نقولا" الراهب ليقوم بترجمته من اللغة الإغريقية إلى اللغة العربية. وإذا كان هذا هو الشأن بالنسبة للناصر، فإن ابنه الحكم لم يكن أقل منه شأنًا من حيث حرصه على جمع الكتب واقتناء النفيس منها قبل أن تظهر أو تشيع في مواطنها؛ فكان يبعث في الكتب إلى الأقطار رجالًا من التجار ويرسل إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه. وعندما بلغ إليه أن أبا الفرج الأصفهاني قد أوشك أن ينتهي من تأليف كتابه "الأغاني"، بعث إليه ألف دينار من الذهب وحصل منه على نسخة مبكرة من ذلك الكتاب قبل أن يشيع في العراق.
ومن الطريف أن هواية جمع الكتب واقتنائها في مكتبات وخزانات لحفظها، لم تكن وقفًا على الأمراء الأمويين فقط على نحو ما رأينا، وإنما كانت هواية تأصلت أيضًا في نفس الشعب الأندلسي، حتى صارت عندهم من علامات الرفعة والسمو، لا يستغني الرجل منهم عن تأسيس مكتبة في بيته، حتى وإن لم يكن مولعًا بالقراءة وحب المعرفة.
ومما يؤكد هذا الرأي هذه الحكاية الطريفة التي رواها "المقري" عن "الحضرمي" الذي غشي سوقًا للكتب في قرطبة لشراء أحد الكتب، قال (الحضرمي):
"أقمت بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقّب فيه وقوع كتاب لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو بخط فصيح وتفسير مليح، ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه، فيرجع إليَّ المنادي بالزيادة إلى أن بلغ فوق حده، فقلت له: يا هذا، أرني من يريد هذا الكتاب حتى أبلغه إلى ما يساوي. فأراني شخصًا عليه لباس رئاسة.. فدنوت منه وقلت له: أعز الله سيدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك، فقد بلغت به الزيادة بينا فوق حده.
قال: فقال إليّ: لست بفقيه ولا أدري ما فيه، ولكني أقمت خزانة كتب، واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يساوي هذا الكتاب، فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته، ولم أبال بما أريد فيه، والحمد لله على ما أنعم عليّ به من الرزق فهو كثير.
قال الحضرمي:
ـــــــــــــــــــــ فأحرجني وحملني على أن قلت له: نعم، لا يكون الرزق كثيرًا إلا عند مثلك، يعطي الجوز لمن لا أسنان له، وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلًا، وتحول قلة ما بيدي بيني وبينه". وظلت هواية جمع الكتب وحب اقتنائها باقية في نفوس الشعب الأندلسي حتى بعد انتهاء عصر خلافة بني أمية وزوال مكتبتهم في قرطبة. حيث أخذ ملوك الطوائف يقلدون الخلفاء الأمويين في تعلقهم بالعلم، وتشجيع العلماء، وجمع الكتب النادرة، وإقامة المكتبات الخاصة التي تليق بجلال القدر وأبهة الحكم في إشبيلية وطليطلة وسرقسطة وبلنسية... حتى تعددت المكتبات الكبرى بتعدد الدويلات التي أقامها ملوك الطوائف؛ إذ حوت خزائنهم الآلاف من المجلدات والمخطوطات النادرة في شتى فروع العلم والمعرفة.. وبالتالي كثر هواة جمع الكتب وراجت تجارة الوراقة، وظلت هذه الهواية متمكنة في نفوس الناس بالأندلس طوال حكم المسلمين بها، إلى أن استولى الملك "فرناندو" على غرناطة آخر معقل إسلامي في الأندلس، حيث أصدر أمره بجمع المخطوطات الإسلامية من أيدي المسلمين.
وتم إحراقها في ميدان الرملة في غرناطة على مشهد ومرأى من الجماهير، ولم يصل إلينا منها سوى مخطوط واحد وَضع عليه الحكم الثاني ملاحظات بخط يده.
مكتبات القيروان:
ــــــــــــــــــــــ كما أنشئت في مدينة القيروان المكتبات العامة والمكتبات الملحقة بالمساجد والمدارس والزوايا، وكانت هذه المكتبات مفتوحة للدارسين وتضم أمهات الكتب...ومن أشهر هذه المكتبات التي كانت موجودة في القيروان، بيت الحكمة الذي أنشأه الأمير إبراهيم الثاني الأغلبي، والذي أراد به أن يضاهي بيت الحكمة في بغداد؛ إذ كان هذا البيت نواة لمدرسة الطب القيروانية التي أثرت في الحركة العلمية في المغرب لزمن طويل.
وقد استقدم الأمير إبراهيم أعدادًا كبيرة من علماء الفلك والطب والهندسة والنبات والرياضيات من المشرق إلى المغرب، وزود منهم الفلكيين بالآلات الفلكية.
حيث كان يبعث كل عام-وأحيانًا كل ستة أشهر- بعثة إلى بغداد بهدف تجديد ولائه للخلافة العباسية واقتناء نفائس الكتب المشرقية في الحكمة والفلك مما لا نظير له في المغرب.
واستقدام مشاهير العلماء في العراق ومصر على هذا النحو، أمكنه في أمد قصير أن يقيم نموذجًا مصغرًا من بيت الحكمة في بغداد، حيث جعل منها معهدًا علميًّا للدرس والبحث العلمي والترجمة من اللاتينية، ومركزًا لنسخ المصنفات كان يتولى الإشراف عليه حفظة؛ مهمتهم السهر على حراسة ما يحتويه من كتب. وتزويد الباحثين والمترددين عليه من طلاب العلم بما يلزمهم من هذه الكتب حسب تخصصاتهم، ويرأس هؤلاء الحفظة، ناظر كان يُعرف بصاحب بيت الحكمة..
وأول من تولى هذا المنصب عالم الرياضيات أبو اليسر إبراهيم بن محمد الشيباني الكاتب المعروف بأبي اليسر الرياضي، وهو بغدادي النشأة، حيث أتيح له أن يلتقي بالعديد من المحدثين والفقهاء والأدباء واللغويين، وكان قد تنقّل في أقطار المشرق قبل انتقاله إلى الأندلس، وأخيرًا استقر بالقيروان.
كما كان الأمير إبراهيم بن أحمد يعقد المجالس العلمية للمناظرة في بيت الحكمة، وكان يحضر هذه المجالس العلماء البارزون من فقهاء المالكية والحنفية.
وفي النهاية نقول:
يجب علينا التأكيد على أن العودة لدراسة التراث الفكري والعلمي للحضارة العربية الإسلامية، لا يعني رفض التجديد والتغني بأمجاد الماضي، بل العكس هو الصحيح؛ فكل حركة بعث أو تجديد حقيقية تبدأ بالعودة لهذا التراث لنستلهم قيمه ونستخرج جواهره وكنوزه.
ومن ثَمَّ يمكن القول: إن كل فكر قادر على التغيير هو فكر يبدأ بقراءة معاصرة للتراث، فدراسة التراث هي دراسة لبناء الحاضر واستشراف المستقبل، وعلى هذا يتعين علينا الاهتمام بدراسة تراثنا المكتبي وتأصيله؛ كي نعرف ماضينا الذي نهتدي من خلاله لمستقبلنا .
د.صالح العطوان الحيالي. العراق. 1.6.2018

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اصدقاء السوء وصفاتهم وطرق الابتعاد عنهم// بقلم الدكتور صالح العطوان الحيالي الحيالي

ابطال منسيون "ابو محمد عبدالله البطال " ــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق -28-12-2018 رأس الشجعان والأبطال أبو محمد عبد الله البطال ، وقيل : أبو يحيى من أعيان أمراء الشاميين . وكان شاليش الأمير مسلمة بن عبد الملك ( معنى شاليش معناه: الراية الكبيرة وعليها خَصلة من شعر الخيل، يرفعها حاملها في مقدمة الجيش.)، وكان مقره بأنطاكية ، أوطأ الروم خوفا وذلا . ولكن كذب عليه أشياء مستحيلة في سيرته الموضوعة . وعن عبد الملك بن مروان أنه أوصى مسلمة أن صير على طلائعك البطال ، ومره فليعس بالليل ، فإنه أمير شجاع مقدام . عُرف عن ابن بطال أنه من الأبطال المعدودين والشجعان الموصوفين، وقد نسجت حوله كثير من الأساطير، لكن ما صح عنه أن الروم كانت تخشاه وتخافه من فرط شجاعته. وفتح الله على يديه كثير من المدن الرومية؛ ففي سنة ثمان ومائة غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم، وبعث البطال على جيش كثيف، فافتتح جنجرة وغنم منها شيئًا كثيرًا. وفي أربع عشرة ومائة فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وعلى اليمنى سليمان بن هشام بن عبد الملك، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام: وفيها التقى عبد الله البطال وملك الروم المسمى فيهم قسطنطين، وهو ابن هرقل الأول الذي كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأسره البطال، فأرسله إلى سليمان بن هشام، فسار به إلى أبيه. ووصفه صاحب النجوم الزاهرة بأنه كان أحد أمراء بني أمية، وكان على طلائع مسلمة بن عبد الملك بن مروان في غزواته، وكان ينزل بأنطاكية، وشهد عدة حروب وأوطأ الروم خوفًا وذلًّا عبد الله البطال (توفي عام 740م الموافق 122هـ) مجاهد مسلم ظهر في الحروب الإسلامية البيزنطية في بدايات القرن الثامن الميلادي، شارك في عدة حملات قادتها الدولة الأموية ضد الإمبراطورية البيزنطية. الحقائق التاريخية حول سيرته نادرة، لكنها نمت بعد وفاته وأصبح أسطورة شعبية، وأصبح شخصية شهيرة بارزة في الملاحم الأدبية التركية والعربية كبطال غازي. اختلف المؤرخون في نسبه، فقيل: هو أبو محمد البطال. وقيل: أبو يحيى، واسمه عبد الله. نشأته ونسبه ــــــــــــــ هو عبد الله بن عمرو بن علقمة البطّال الملقب بالأنطاكي لأن مقرّه كان بأنطاكية، أحد القواد العرب الشجعان المشهورين في العصر الأموي، وأحد رؤساء عرب الجزيرة الذين كانوا يغزون ثغور الروم، ولا تذكر كتب التاريخ سنة مولده وإن كان أكثرها يحدد سنة وفاته، واختلف المؤرخون في كنيته فهو أبو محمد وأبو يحيى أو أبو الحسين، وإن لم يختلفوا في ذكر سيرته والأحداث التي مرّت معه لا يعرف عن نشأته وحياته المبكرة شيء، ويدعى "عبد الله أبو الحسين" (وفي روايات مختلفة: أبو محمد، أبو يحيى) الانطاكي، نسبة إلى مدينة أنطاكية وغير أنطاكية مدينة دمشق، وذكر ابن حجر العسقلاني أنه وعبد الوهاب بن بخت من موالي بني أمية. ونسبته "الأنطاكي" بدلاً من أن ينسب لقبيلة ما ويوحي هذا أنه ليس عربي النشأة. اقترح خالد يحيى بلانكنشب بأنه ربما يكون نفس الشخص "عمرو" الذي سجل اسمه المؤرخ البيزنطي تيوفان المعرف في حملة نيقية 727م، وبالتالي "عمرو" ربما يكون اسمه الحقيقي أو اسم والده (ويكون:عمرو بن عبد الله أو عبد الله بن عمرو) وربما يكون اسم عبد الله تشريفي. سيرته ـــــــــ يُعتقد أن البطال أشترك في في حصار القسطنطينية (717-718). وفقاً للمصادر التاريخية (المؤرخان: اليعقوبي ومحمد بن جرير الطبري) ظهر البطال لأول مرة 727م، في واحدة من الغارات السنوية ضد الأناضول البيزنطي، قاد هذه الحملة معاوية بن هشام ابن الخليفة هشام بن عبد الملك (حكم من 723م – 743م). قاد البطَال طليعة الجيش وسيطر على مدينة خنجره، قبل أن يدخل الجيش في حصار نيقية (727) الغير ناجح. يعتبر بلانكنشب أن سيطرة البطال على خنجره تعتبر واحدة من أعظم نجاحات الأمويين ضد البيزنطيين في هذه الفترة، إلى جانب سيطرة مسلمة بن عبد الملك على قيصرية في 726م. قاد البطال غارة أخرى لا يُعرف عنها الكثير في (731م – 732م). ولم تكن موفقة وذُكر أنه توفي فيها الأمير العربي عبد الوهاب بن بخت. في العام التالي 115 هـ تولى البطال قيادة جزء في حملة إلى جانب معاوية بن هشام ودخلوا أفيون قره حصار في فريجيا. حاول الجيش البيزنطي التصدي للمسلمين، ولكن البطال هزمهم، وأسر قسطنطين وذلك حسب المصادر الإسلامية وتقول المصادر البيزنطية أن الذي أسره البطال هو شخص كان يدعي العرش البيزنطي. التراث ـــــــــــ يــــــــــعتبر بلانكنشب أن سيطرة البطال على خنجره تعتبر واحدة من أعظم نجاحات الأمويين ضد البيزنطيين في هذه الفترة، إلى جانب سيطرة مسلمة بن عبد الملك على قيصرية في 726م. قاد البطال غارة أخرى لا يُعرف عنها الكثير في (731م – 732م). ولم تكن موفقة وذُكر أنه توفي فيها الأمير العربي عبد الوهاب بن بخت. في العام التالي 115 هـ تولى البطال قيادة جزء في حملة إلى جانب معاوية بن هشام ودخلوا أفيون قره حصار في فريجيا. حاول الجيش البيزنطي التصدي للمسلمين، ولكن البطال هزمهم، وأسر قسطنطين وذلك حسب المصادر الإسلامية وتقول المصادر البيزنطية أن الذي أسره البطال هو شخص كان يدعي العرش البيزنطي. د منه بالضرب ورده إلى القسطنطينية؛ وعبد الله البطال، وعمرو بن عبد الله، وعلي بن يحيى الأرمني...» ذكر ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق الكثير من الروايات حول البطال منها: ذكر البيزنطيين اسمه لتخويف الأطفال، ودخوله عمورية وتظاهره بأنه رسول وكشفه خططهم، ودخوله دير فيه نسوة (تزوج احداهن لاحقاً) وقتله أحد البطارقة. ومقابلته الإمبراطو ليو ووفاته وطلبه منه أن يدفنه من معه من أسرى المسلمين، ففعل الملك. ومن ناحية أخرى بداية بابن عساكر ومعاصره السموأل بن يحيى المغربي انتقد الكثير من المؤرخين المسلمين مختلف الافتراءات أدخلت في حسابات حياة البطال. ويقول الذهبي: «إن القُصّاص حكوا عنه ـ أي البطال ـ من الخرافات ما لا يليق». وقال ابن كثير بعد حديثه عن البطال: «وأما ما يذكر العامة عن البطّال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة (ذات الهمّة) والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وجهل وتخبط فاحش». وقال ابن كثير بعد أن لخص سيرته في كتابة البداية والنهاية: «وأما ما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة، والبطال، والأمير عبد الوهاب، والقاضي عقبة فكذب وافتراء، ووضع بارد، وجهل كبير، وتخبيط فاحش، لا يروج ذلك إلا على غبي أو جاهل ردي، كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسي المكذوبة، وكذلك سيرة البكري، والدنف وغير ذلك، والكذب المفتعل في سيرة البكري أشد إثما وأعظم جرما من غيرها; لأن واضعها يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.» أعمال عنه ـــــــــــ استغل اسم عبد الله البطال في عملين الأول في اللغة العربية (سيرة ذات الهمة والبطّال) أو دلهمه والثاني في الملحمة الأدبية التركية الشعبية سيد بطال غازي. وعلى الرغم من أن كلاهما تم تأليفهما في القرن الثاني عشر ورسما على تقاليد عربية، فهما يعرضان فروقات هامة، فالرواية التركية تتضمن العديد من التأثيرات الفارسية والتركية، بما فيها العناصر الخارقة من التقاليد الشعبية أو زخارف من الشاهنامه ورواية أبو مسلم.كل من الروايات تضع البطّال في منتصف القرن التاسع الميلادي وتربطه بملطية وأميرها عمر الأقطع (المتوفى:863م) ونتيجة لذلك أصبح مرتبطاً بشكل خاص مع مدينة ملاطية وما حولها. أخذ الصحصاح بطل قبيلة بني كلاب دور البطّال الخاص في الحروب الأموية ضد البيزنطيين في دلهمه. وفي هذه الروايات ظهر البطال كبطل إسلامي وأصبح يشبه فيها أوديسيوس (المشهور بالمكر والدهاء) في الدهاء.واعتبره الأتراك رمزاً بارزاً في فتوحاتهم للأناضول بعد فتح ملطية 1102 على يد الدانشمنديين. عُمل على قصصه (بالتركية:Battalname) في عهد السلاجقة والعثمانيين، وأصبح موضوعاً لمجموعة كبيرة للعديد من الحكايات الشعبية. ويرفع العلاهيون والبكتاشية من قدره ويسمونه بالسيد، وللبطال مزار في مدينة سيد غازي-التي سميت باسمه-، ويأتيه الزوار من مناطق بعيدة مثل آسيا الوسطى حتى أوائل القرن 20 عبدالله بن عمرو بن علقمة البطّال الملقب بالأنطاكي لأن مقرّه كان بأنطاكية، أحد القواد العرب الشجعان المشهورين في العصر الأموي، وأحد رؤساء عرب الجزيرة الذين كانوا يغزون ثغور الروم، ولا تذكر كتب التاريخ سنة مولده وإن كان أكثرها يحدد سنة وفاته واختلف المؤرخون في كنيته فهو أبو محمد وأبو يحيى أو أبو الحسين، وإن لم يختلفوا في ذكر سيرته والأحداث التي مرّت معه. رُوي أن الخليفة الأموي عبد الملك حين عقد لابنه مَسْلَمة على غزو بلاد الروم ولّى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطّال، وقال لابنه: «سيّره على طلائعك ومره فليعسّ بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع» فكان تحت إمرة البطّال عشرة آلاف من المحاربين جعلهم ترساً ما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم. شهد البطّال عدة حروب، وأوطأ الروم خوفاً وذلة، فكانت الروم تهابه هيبةً شديدة. وتذكر قصص التاريخ عن شجاعته وجرأته ومغامراته في بلاد الروم حكايا غريبة لا تكاد تُصَدّق، إذ كان البطال ذا قلبٍ جريء لا يهاب، وكان يقول: «الشجاعة صبر ساعة»، وكان يساعده في ذلك معرفة بلغة الروم فقد كان يتكلمها كأحد أبنائها. واشتهر أمره بين الروم فهابوه حتى صارت الأمهات الروميات يخفن أطفالهن به، ويروى أن رجالاً من جيش المسلمين توغلوا في أرض الروم ولم تعرف أخبارهم، فسار البطّال وحيداً إلى أرض الروم لإنقاذهم، ووقف على باب عمورية وادّعى أنه سياف ملك الروم ورسوله إلى بطريق المدينة ففتحت له الأبواب، ولما وصل إلى البطريق طلب إليه أن يخرج من في المجلس، فلما فعل كشف البطّال عن شخصيته وهدد البطريق بالسيف وأمره أن يُصدقه القول في أمر السرية المسلمة، فأخبره البطريق أنهم توغلوا في البلاد وملؤوا أيديهم بالغنائم، وسمى له الوادي الذي وصلوا إليه، فغمد البطّال سيفه وطلب الأمان ثم تناول طعاماً، ولمّا خرج من عند البطريق لم يكشف هذا عن شخصية البطّال، بل أمر الناس أن يفسحوا الطريق لرسول الملك، واستطاع البطّال أن يصل إلى السرية ويخرج بأفرادها بما غنموا إلى منطقة لاتتبع الروم، وتزوج إحدى الروميات السبيات وهي أم أولاده، وكان أبوها بطريقاً كبيراً. كان البطال شديد الإيمان، يسأل دائماً الله الحج ثم الشهادة، ولم يتمكن من الحج إلا في السنة التي استشهد فيها. ويروى أن الملك ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية لغزو بلاد العرب ...فكتب بذلك البطريق - أبو زوجة البطال إلى صهره. فخبّر البطّال بذلك عساكر المسلمين، وأشار على القائد مالك بن شبيب أن يتحصن الجنود في حرّان، وهي إحدى مدن الروم المخرّبة وذلك حتى يصل قائد الخليفة سليمان بن هشام، ولكن مالكاً بن شبيب أبى عليه ذلك ودهم جيش الروم، فاضطر البطّال إلى خوض المعركة مع الجيش بعد أن وصّى ألا يلفظ أحد اسمه، واتفق أن ناداه أحدهم خطأ فعرفه الروم، وحملوا عليه، وقتلوا من حوله، وانكسر المسلمون، وقُتل مالك بن شبيب فيمن قُتل، ولما مالت الشمس رأى الملك أن يرجع إلى المعسكر ليدهم من تبقى من المسلمين في يومه التالي، وهنا أمر البطّال منادياً يدعو الناس إلى الذهاب إلى قرية سنّادة ليتحصنوا فيها على ألا يتركوا جريحاً أو ضعيفاً في ميدان المعركة، وأوهم الجيش أنه سينسحب معهم، وبقي في قلّة في ميدان المعركة ليؤخر وصول جيش الروم. ولما نشب القتال في اليوم التالي استبسل البطال حتى جرح ووقع، فقال له الملك: أبا يحيى كيف رأيت؟ قال: ما رأيت كذلك، الأبطال تَقْتُل وتُقتَل» فأمر الملك ليون الذي كان معجباً بشجاعة البطّال أن يؤتى له بالأطباء، فأخبروه أن جراحه مميتة، فسأل الملك البطال: «هل من حاجة؟» قال: نعم، تأمر من لديكم من أسرى المسلمين بتكفيني والصلاة عليّ ودفني وتخلّي سبيل من ثبت عندي، ففعل الملك،وكانت جيوش الخليفة قد وصلت، فسار ليون إلى القسطنطينية وتحصّن بها. وقد اقترن اسم البطّال باسم صديق له في التاريخ وفي القصة الشعبية التي وردت على لسان الناس بعد ذلك، وهو أبو عبيدة عبد الوهاب بن بخت مولى آل مروان، وقد وصف بأنه كان كثير الحج والعمرة والغزو، وأكثر الروايات التاريخية تجعل موت البطّال في السنة ذاتها التي مات فيها صديقه أبو عبيدة. البطّال في السيرة الشعبية: في عصر الدول المتتابعة زاد ميل الشعب إلى الأساطير البطولية، وظهر أدب السيرة الشعبية الذي يمثل الحياة التي يتمناها الناس والتي يسودها العدل والصدق وينتصر فيها العرب وما يؤمنون به على أعدائهم أكانوا من أولئك في الداخل الذين يصانعون العدو أم من أعداء البلاد في الخارج. وقد حدا ذلك القصاصين إلى التطلع إلى التاريخ يستمدون منه شخصيات الأبطال ذات الصلة بالواقع، ثم يمزجون بين الأسطورة والتاريخ. وقد استهوت سيرة البطّال وصديقه عبد الوهاب وشجاعتهما عامة الناس الذين يولعون عادة بالغرائب والبطولات فيما يخص الرجال الذين أوتوا من القدرات ما يفتقر إليه البشر العاديون، وقد ورد ذكر لقصة البطال الشعبية عند المقري وفي تاريخ الذهبي الذي يقول: »إن القُصّاص حكوا عنه ـ أي البطال ـ من الخرافات ما لا يليق . أما ابن كثير فيورد بعد حديثه عن البطال القائد الأموي: وأما ما يذكر العامة عن البطّال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة (ذات الهمّة) والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة فكذب وجهل وتخبط فاحش». وقد حملت القصة الشعبية عن البطال اسمه في البدء ثم حوّل القصاصون العنوان إلى ذات الهمة. ومع موقف المؤرخين من الأدب الشعبي عامة فقد انتشرت بين طبقات الشعب السير التي تتحدث عن الأبطال. وقد استهوت سيرة البطال الأتراك وهم الذين حاربوا الروم وفتحوا القسطنطينية فظهر بينهم بطل اسمه (سيد بطّال) وقبره في سيد غازي جنوب إسكي شهر، وقد ألفت حول حياته سيرة شعبية تختلف عن السيرة الشعبية العربية درسها المستشرق فليشر. ويبدو أن هذا اللقب حمله آخر ورد اسمه في كتب التاريخ المتأخرة كتاريخ الجنابي واسمه أبو محمد جعفر بن السلطان حسين بن ربيع بن عباس الهاشمي ذكروا أنه ولد بملطية وكان على قيد الحياة سنة 1000هـ ويبدو أن هؤلاء المؤرخين تأثروا بالقصة الشعبية التركية سيد بطّال وفاته ـــــــــ لقد تمنى عبد الله البطال الحج والشهادة راجيًا من الله أن ينالهما وشاءت إرادة الله أن يكتب له الحج والشهادة في عام واحد فبعد إقفاله من الحج عاد إلى الثغور؛ ليكون في طليعة المجاهدين وليفوز بالشهادة التي طالما تمناها، وخاض من أجلها كثير من الحروب. وسبب شهادته -كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية- أن ليون ملك القسطنطينية قد خرج في ألف فارس يريد المسلمين فأرسل البطريق إلى البطال، وكان البطال متزوج بابنة البطريق يخبره بخروج ليون، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، وكان الأمير مالك بن شبيب، وقال له: المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالاً شديدًا والأبطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفًا عليه من الروم، فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطًا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها، وأصبح ليون فوقف على مكان المعركة فإذا البطال بآخر رمق، فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الأبطال، فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه فإذا جراحه قد وصلت إلى مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يلوا غسلي والصلاة عليَّ ودفني. ففعل الملك ذلك، وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، وانطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة والحصار إذ جاءتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هاربًا راجعًا إلى بلاده، قبحه الله، فدخل القسطنطينية وتحصن بها. قال خليفة بن خياط: كانت وفاة البطال ومقتله بأرض الروم في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقال ابن جرير: في سنة ثنتين وعشرين ومائة. وقال ابن حسان الزيادي: قتل في سنة ثلاث عشرة ومائة، قيل وقد قاله غيره وإنه قتل هو والأمير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشرة ومائة كما ذكرنا ذلك فالله أعلم، ولكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته إلا في هذه السنة، فالله أعلم قال رجل : عقد مسلمة للبطال على عشرة آلاف ، وجعلهم يزكا وعن ابن مروان عن البطال ، قال : اتفق لي أنا أتينا قرية لنغير ، فإذا بيت فيه سراج وصغير يبكي ، فقالت أمه : اسكت ، أو لأدفعنك إلى البطال فبكى فأخذته من سريره ، وقالت : خذه يا بطال فقلت : هاته . وجرت له أعاجيب وفي الآخر أصبح في معركة مثخونا وبه رمق فجاء الملك ليون ، فقال أبا يحيى : كيف رأيت ؟ قال : وما رأيت ؟ كذلك الأبطال تقتل وتقتل ، فقال : علي بالأطباء ، فأتوا فوجدوه قد أنفذت مقاتله ، فقال : هل لك حاجة ؟ قال : تأمر من يثبت معي بولايتي وكفني والصلاة علي ثم تطلقهم ، ففعل . قتل سنة اثنتي عشرة ، وقيل : سنة ثلاث عشرة ومائة . ظهر البطال آخر مرة في حملة كبيرة فيها عشرات الآلاف من الرجال من الجيش الأموي ضد البيزنطيين إلى جانب مع مالك بن شعيب، نائب حاكم ملطية، قاد البطال قوة من الفرسان قوامها 20000 في حين سليمان بن هشام قاد القوة الرئيسية التي تقف وراءها. وصلت قوة البطال وقوة مالك حتى أكرونيون المعروفة اليوم بأفيون قره حصار، ولكن تواجه وهُزم من قبل البيزنطيين بقيادة الإمبراطور ليو (الحاكم من: 717م - 741م) وولده قسطنطين في معركة أفيون قره حصار. لقى فيها جميع القواد المسلمين وثلثي الجيش حتفهم.